الباحث القرآني

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ
قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله -ﷺ- فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 83، و"تخريجات الكشاف" 160، وقال: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" .. ورواه البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق سعيد. عن قتادة مطولًا نحوه، ورواه الحاكم في "الدلائل" أيضًا، وقال البيهقي: هكذا قال عباس بن الفضل الأزرق، وليس بالقوى، وأهل المغازى يقولونه عتبة أو عتيبة. وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 2/ 339.]]. وقرئ (أَفَتُمَارُونَهُ) [[قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب (أَفَتَمْرُونَهُ) مفتوحة التاء بغير ألف. وقرأ الباقون: (أَفَتُمَارُونَهُ) بألف. انظر: "حجة القراءات" 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 402.]] قال عامة المفسرين وأهل التأويل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 96، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"جامع البيان" 27/ 29، و"الوسيط" 4/ 197.]] (أَفَتُمَارُونَهُ) أفتجادلونه و (أفتمارونه) أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته. قال الشاعر: لئن هجرت أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ ... لقد مَرَيْتَ أخًا ما كان يَمْرِيكا [[ورد البيت غير منسوب في "الكشاف" 4/ 38، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"البحر المحيط" 8/ 159، و"تخريجات الكشاف" 4/ 87. ومعناه: لئن ذممت أخا صدق ومكرمة، فقد غلبته في الجدال وأنفدت ما عنده أو جحدت حقه كأنك أخذت منه أو تسببت في إخراجه ما عنده فيذمك كما ذمته.]] قال المبرد: (أفتمرونه) أي أتدفعونه عما يرى، قال: و (على) في موضح عن [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 283 (مرى).]]، و (أَفَتُمَارُونَهُ) أي: أتدفعونه وتمارونه، كأنه أغلب في هذا الموضع للإنكار عليه، أي: تجادلونه فيما رأى وعلم، وأما الجحود منهم فقد كان ذلك عامًا فيما يأتيهم به الرسول -ﷺ- والجدال في هذا الموضع كأنه أغلب، والمعنيان يتقاربان؛ لأن مجادلتهم جحود فيجتمع فيه الجحود والمجادلة، وقد كانت من المشركين مجادلة النبي -ﷺ- حين أسري به قالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس [[بيت المقدس. يطلق على الأرض المباركة وعلى الطور الذي كلم الله موسى عليه. والمراد به عند الإطلاق المسجد الأقصى. انظر: "معجم البلدان" 5/ 193.]]، وأخبِرنا عن عيرنا التي في طريق الشام [[الشام: سميت بذلك لأن قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا بها إليها. وقيل غير ذلك طولها من الفرات إلى العريش نحو شهر، وعرضها نحو عشرين يومًا. انظر: "معجم البلدان" 3/ 353.]]، وغير ذلك مما جادلوه به [[انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"القرطبي" 17/ 93.]]. واختار أبو عبيد (أفتمرونه) قال: وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي، فهذا أكثر من المماراة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"فتح القدير" 5/ 106. قال النحاس: غير أن أبا حاتم حُكي أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه. قال وفي هذا طعن علي جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة ... والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجماعة، غير أن الأولى من ذكرنا من الصحابة، فاما أن يقال لم يماروه فعظيم؛ لأن الله جل وعز قد أخبر أنهم قد جادلوا، والجدال هو المراءَ ولا سيما في هذه القصة .. "إعراب القرآن" 3/ 265.]]. قال أبو علي: من قال: (أَفَتُمَارُونَهُ) فمعناه: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما هو [[(هو) ساقطة.]] عليه وشاهده الوحي، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: 6]، ومن قال: (أفتمرونه) كان المعنى: أفتجحدونه، والمجادلة كأنه أشبه في هذا؛ لأن الجحود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء به فكان مما قالوا: صف لنا عيرنا في طريق الشام ونحو ذلك [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 230.]]. وقد صح المعنيان عند [[(عند) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.]] المبرد، وأبي علي، على [[(على) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.]] أن الوجه قراءة العامة لا ما اختاره أبو عبيد، وذلك أن الجحود كان عامًا منهم في كل ما يأتي به الرسول -ﷺ- والجدال كان في هذا خاصًا على ما ذكرا [[انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93.]]. وأيضًا فإنه لا مجادل إلا وهو جاحد، وقد يجحد الشيء من لا يجادل فيه، فالجدال إذًا أعم.