الباحث القرآني

أَفَرَءَیۡتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ
قال أبو إسحاق: لما قص الله هذه الأقاصيص قال للمشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كأن المعنى والله أعلم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 72.]]. ومعنى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ على ما ذكر السؤال والاستفتاء كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ وقد مر [[من آية (50) من سورة يونس.]]. وتنتظم الآية بما قبلها على المعنى الذي ذكره. قال صاحب النظم: معنى الآية أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونهن أأوحَين شيئًا إليكم كما أوحي إلى النبي -ﷺ- [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99.]]؟ والتقديران اللذان ذكراهما يستدل عليهما بفحوى الكلام، وقد قال أبو إسحاق أيضًا: أفرأيتم هذه الإناث أَلله هي وأنتم تختارون الذكران وذلك قوله: ألكم الذكر وله الأنثى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 268.]]، وهذا الوجه أجود الثلاثة وسنزيده وضوحًا عند قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ إن شاء الله. قال أبو علي الفارسي: أرأيتم هنا بمنزلة أخبروني لتعدي أرأيت إلى المفعول ووقوع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله، ألكم الذكر؟ وجاز الحذف لأن هذا قد تكرر في القرآن كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: 57] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] فكان الحذف بمنزلة الإثبات، ألا ترى أن سيبويه جعل كُلاًّ في قوله: ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نَارا [[البيت لأبي دواد الإيادي، وهو جارية بن الحجاج. انظر: "ديوانه" 353، و"الكتاب" 1/ 66، و"الكامل" 1/ 287، و"الإنصاف" 743، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 21، و"الأصمعيات" 191. وصدره: أكل امرئ تحسبين أمرأً]] بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به وإن كان محذوفًا وقد دل قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ على المحذوف، وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة [[انظر: "المسائل الحلبيات" ص 78 - 79، و"الكتاب" 1/ 66.]]. فأما اللات فروى عطاء عن ابن عباس قال: هي صنم [[لم أقف على هذه الرواية، والجمبع على أن اللات اسم لصنم.]]. قال قتادة: هي بالطائف [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، "الكشف والبيان" 12/ 10 أ.]]، قال الكلبي: هي صخرة كانت بالطائف لثقيف [[ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال لهم ثقيف، وكانت منازلهم بالطائف على مرحلتين من مكة. انظر: "نهاية الأرب" ص 186.]] يعبدونها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.]]. وقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة [[نخلة: موضع بين مكة والطائف. قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة. انظر: "معجم البلدان" 1/ 449، و"فتح الباري" 8/ 674.]] كانت قريش تعبده [[انظر: "جامع البيان" 27/ 35.]]. وقال أبو عبيدة: هي صنم في جوف الكعبة لقريش [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، ولفظه (أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها). قال ابن حجر: (وكانت اللات بالطائف، وقيل بنخلة، وقيل بعكاظ، والأول أصح). "فتح الباري " 8/ 612.]]. واختلفوا في اشتقاق اللات، فأكثر المفسرين [[ومنهم ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وأبو صالح، والكلبي. انظر: "جامع البيان" 27/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع" للقرطبي 17/ 100.]] ذكروا أنه بتشديد التاء من اللَّت، وهو خلط السويق بالسمن ودلكه به. روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: اللات رجل كان يلت السويق للمشركين فمات فعكفوا على قبره فعبدوه [["صحيح البخاري"، كتاب التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ 6/ 176 ولفظه: (كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج). قال ابن حجر: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء == عن ابن عباس، ولفظه فيه زيادة (كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه) "فتح الباري" 8/ 612.]]، ونحو ذلك روى السدي، وذكر أنه كان بالطائف [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ.]]. وزاد الكلبي بيانًا فقال: كان رجل من ثقيف يقال له صِرمة بن غنم كان يسلأ [[قال الأصمعي: سَلأتُ السَّمْنَ أسْلأُه سَلأً. قال: والسِّلاء الاسم وهو السَّمن. "تهذيب اللغة" 13/ 70 (سلأ).]] السمن فيضعه على صخرة ثم تأتيه العرب فيلت به أسوقتهم فلما مات الرجل حولت ثقيف تلك الصخرة إلى منازلها فعبدتها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.]]. ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: (الَّلاتَّ) بتشديد التاء [[قرأ رويس (الَّلاتَّ) بتشديد التاء وبمدٍ للساكنين، وهي قراءة ابن عباس، ومجاهد، ومنصور ابن المعتمر، وطلحة، وأبي الجوزاء. والقراءة المتواترة (اللَّاتَ) بالتخفيف. انظر: "النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 403، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100، و"البحر المحيط" 8/ 160.]]. ووجه قراءة العامة على هذا الاشتقاق ما ذكره الفراء قال: القراءة بالتخفيف، والأصل بالتشديد؛ لأن الصنم إنما سمي باسم اللاَّتِ الذي كان يلت السويق عنده، وجعل اسمًا للصنم، وعلى هذا الوقف على اللات يكون بالتاء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 97، و"تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت)، و"اللسان" 3/ 340 (لتت).]] وهو اختيار أبي إسحاق، قال: لاتباع المصحف فإنها كتبت بالتاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 73.]]. وقال جماعة من المفسرين: اللات من الله، وكان المشركون يسمون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزَّى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]]، وهو اختيار الأزهري قال: كأن المشركين الذين عبدوها عارضوا باسمها اسم الله تعالى علوًا كبيرًا عن إفكهم ومعارضتهم والحادهم في اسمه العظيم، ويدل على صحة هذا التأويل أن الكسائي كان يختار الوقف عليها بالهاء، وهذا يدل على أنه لم يجعلها من اللَّت [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت).]]. قال أبو علي الفارسي: اشتقاق اللات من لويت على الشيء، أي: أقمت عليه، ولذلك أنهم كانوا يلوون على آلهتهم وبعكفون عليها عبادة لها وتقرئا إليها، ولذلك تواصوا فيما بينهم فيما أخبر الله به عنهم في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: 6] فاشتق اسمها من هذا المعنى الذي كانوا يعتقدون فيها ويتدينون به لها، فهو على هذا مثل شاه وذات، والتاء للتأنيث في قول من خفف، ومعنى التأنيث فيها تأنيث اللفظ، إذ التأنيث الحقيقي لا يصح فيهاة لأنها جماد، والدليل على صحة هذا أن سيبويه قال في النسبة إليها لاي [[انظر: "الكتاب" 1/ 371.]]، فحذف التاء، فدل على أنها للتأنيث، وذلك أن تاء التأنيث تحذف في النسبة، ولما حذف التاء شبه بقلة التصرف الحروف فزاد على الحرف حرفًا مثله كما فعل ذلك بـ (ذا) إذا سُمي به رجل فقال: ذآء، فلما زيدت همزة على (ذا) لما سمي به كذلك زيدت هاهنا همزة، وكذلك يفعلون بـ (ما) و (لا) عند التسمية بهما، والوقف على هذا بالهاء كما اختاره الكسائي. وقول أبي إسحاق الأجود الوقف بالتاء لاتباع المصحف. فيجوز أن تكون كتبت فيه بالتاء على الوصل دون الوقف كما كتب ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: 24] ونحوه بغير الواو، فلما كتب هذا ونحوه على الوصل كذلك يجوز أن يكون كتب في المصحف على الوصل، انتهى كلامه [[لم أقف عليه.]]. وأما الألف واللام في اللَّات والعزّى فذهب أبو الحسن [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 158.]] إلى أن اللام فيهما زائدة. والذي يدل على صحة مذهبه أن اللّات والعزَّى [[(والعزى) ساقطة من (ب).]] علمان بمنزلة يغوث [[يغوث: صنم كان لمذحج. وهو اسم صنم كانن لقوم نوح كما هو في سورة نوح.]] ويعوق [[يعوق: اسم صنم لكنانة. وقيل: كان لقوم نوح.]] ونسر [[نسر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. وهذه الأصنام ذكرها الله تعالى في سورة نوح فهي بلا شك لقومه. وأخذ المشركون منها أسماء آلهتهم.]] ومناة [[مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة.]] وغير ذلك من أسماء الأصنام. فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها [[في (ك): (تعرفها).]] إلى اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت فصارت أعلامًا وأقرت فيها لام التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها فيحمل على ذلك، فوجب أن تكون اللام فيها زائدة كما ذكرنا في الذي وبابه، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي الفتح الموصلي [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 359، و"الكتاب" 1/ 267.]]. وأما العُزّى قال عطاء: هي صنم [[انظر: "فتح القدير" 5/ 108، و"روح المعاني" 27/ 55، ولم ينسباه لقائل. وقيل العزى: شجرة قديمة قدسها العرب في بلدة نخلة الثامية إلى الشمال من مكة، وكانت قريش وبعض قبائل الحجاز مثل غني، وباهلة تعظمها. انظر: "أطلس تاريخ الإسلام". وقال ابن كثير: كانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، و"البداية والنهاية" 4/ 316.]]، وقال مجاهد، والكلبي: هي سمرة من الشجر كانت بنخلة لغطفان [[غطفان: بطن عظيم متسع، كثير الشعوب والأفخاذ، من قيس عيلان من العدنانية، كانت لهم منازل بنجد مما يلي وادي القرى، وجبل طىء. انظر: "معجم البلدان" 3/ 888.]] يعبدونها، وهي التي بعث إليها رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد فقطعها ويقول: يا عز كفرانك لا سبحانكِ ... إني رأيت الله قد أهانكِ فخرجت منها شيطانة تجر شعرها واضعة يديها على رأسها تدعو بالويل فضربها خالد بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله -ﷺ- فأخبره فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدًا" [[اقتصر البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 77 على قوله -ﷺ-: "تلك العزى". وفي "الطبقات" 2/ 146 بلفظ: "نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدًا"، وكذا الواقدي في "المغازي" 3/ 874.]]. وقال قتادة: كاذت العزى لقريش [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"الدر" 6/ 127.]]، وهو قول الحسن واختيار أبي عبيدة قالوا: هذه أصنام من حجارة كانت قريش توجه إليها العبادة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"روح المعاني" 27/ 55.]]. وقال الضحاك: هي صنم من حجر لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.]]. وأما تفسير العزى فإنها تأنيث الأعز مثل الكبرى والأكبر، والأعز يكون بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 361 - 363.]].