الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء [[عند تفسيره لآية (31) من سورة النساء. ومما قال: اختلفوا في الكبائر ما هي ... قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شئ عصي الله فيه فهو كبيرة .. وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله -عز وجل- بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والضحاك. والصحيح أنه ليس لها حد يعرفه العباد وتتميز به الصغائر يتميز إشارة ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.]]. قال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ. وفي "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 525 قال: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال .. وقيل إنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال. قال الألوسي: والفواحش ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام. وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان. "ررح المعاني" 27/ 61. وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 188، و"اللسان" 2/ 1056 (فحش).]]. وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) [[قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير) بكسر الباء من غير الألف ولا همزة على التوحيد. وقرأ الباقون (كَبَائِرَ) بفتح الباء والف وهمزة مكسورة بعدها. انظر: "حجة القراءات" ص 686، و"النشر" 2/ 367، و"الإتحاف" ص 403.]]. وفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]. ومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100 - 101]، وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17]، وقول الشاعر [[الشاعر هو السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء. انظر: مقدمة "ديوانه" ص 67، و"الأعلام" 3/ 140، و"الأصمعيات" ص 82، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 156.]]: وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ...... البيت [[والبيت ورد في "ديوانه" 90، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 80، و"شرح حماسة المرزوقي" 1/ 112، و"الحجة" 6/ 235 والبيت بتمامه: وما ضرنا أنا قليلٌ، وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ، وَجَارُ الأَكْثَرينَ ذَلِيلُ]] فمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر. ويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه [[(أنه) زيادة من "الحجة".]] ليس يراد به إثم بعينه، إنما يراد به الآثام، فكذلك يكون المراد بالمضاف الكثرة، وإذا كان كذلك فالإفراد فيه يفيد ما يفيد الجمع. فإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟ قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92] وقال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُو﴾ [الكهف: 50]، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: 19]، و ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: 2] فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها [[(فيها) ساقطة من (ك).]]، كذلك الإفراد هاهنا لا يمنع الجمع في سورة النساء، وأما من جمع فقال: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس [[من قوله: "وفعيل قد جاء يعني به الكثرة .. " إلى هنا من كلام أبي علي. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 235 - 237.]]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة. قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا [[انظر: "الوسيط" 4/ 201، و "معالم التنزيل" 4/ 252.]]. وقال الكلبي عنه: اللمم النظرة عن غير تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 100، و"تهذيب اللغة" 15/ 348، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"معالم النزيل" 4/ 253، عن الحسين بن الفضل.]]. وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا [[انظر: "جامع البيان" 17/ 39، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"الوسيط" 4/ 201، و"معالم التنزيل" 4/ 252، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255.]]. واحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -عز وجل- كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" [[أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج 4/ 67، ومسلم في كتاب القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره 4/ 2046، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 253، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 317.]]. فإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم. وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 252.]]. القول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: يلم بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود [[انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.]]. قال: وكان النبي -ﷺ- يقول: "إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا" [[رواه ابن جرير في "جامعه" 27/ 39، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب (ومن سورة النجم) 5/ 370، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 256، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة المزمل، وفي صحته مرفوعًا نظر. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وقال القرطبي: قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادًا. "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107. والبيت لأمية بن أبي الصلت، كما في "تهذيب اللغة" 15/ 347، و"اللسان" 3/ 397 (لمم)، و"الخزانة" 2/ 295، و"المقتضب" 4/ 242، و"الأغاني" 3/ 183، وليس في "ديوانه".]] وقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع [[انظر: "حامع البيان" 27/ 39، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 256.]]. وروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم [[في (ك): (اللمم الخطيئة ثم) ولا معنى لها هنا.]] لا يعاود، قال: فحدثت بذلك ابن عباس قال: لقد أعانك عليها ملك كريم [[أخرجه عبد بن حميد. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 252، و"الدر" 6/ 118.]]، وهذا قول مجاهد والسدي [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و "الوسيط" 4/ 202.]]. ومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى القولين في اللغة واحد. وقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه [[انظر: "فتح القدير" 5/ 113.]]، وأَلَمَّ به إذا لم يمعن فيه ولكن نال منه حظًا، وهما من أجل واحدة لأنه يقال ذلك لمن لم يستحوذ على الشيء. فعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا. قال جرير: بنفسي من تجنبه عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارته لمام [["ديوانه" ص 512، و"القطع والائتناف" ص 691، و"البحر المحيط" 8/ 155.]] قال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله -ﷺ-: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ" [[جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله 4/ 32، وكتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والمتنافس فيها 8/ 113، ولفظه: " .. وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ" وفي لفظ: " .. وإنه كلُّ .. " ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/ 727، وأحمد في "المسند" 3/ 7، 21. والحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها.]] قال أبو عبيدة: معناه أو يقرب إليه. وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل. وقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد: وزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ... إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ [[ورد في "الجمهرة" لابن دريد 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 2/ 128، و"الحيوان" 5/ 455. وهو لأبي الأسود الدؤلي.]] قال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت [[لم أقف على كلام المبرد.]]. وقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر: أَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ... خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي [[لم أجده.]] وأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج. قال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 237.]]، فهذا على القول الأول. وقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول، وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 19 - 20]. فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد. والمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال: قد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ... قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ قَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ... ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ قال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال: فأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ... مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ انتهى كلامه [[لم أقف على كلام المبرد هذا. ولا على أبيات ابن أحمر.]]. وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء، لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم [[قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إلا بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام: إلا الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة ...) "جامع البيان" 27/ 41. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 271، و"فتح القدير" 5/ 113، ونسبه للجمهور.]]. وذكر في الآية قولان آخران: أحدهما: أن اللمم ما سلف في الجاهلية من الذنوب، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين، إنما كنتم بالأمس تعملون معنا ما نعمل، فأنزل اقه هذه الآية، وهو [[(ك): (على) والصواب ما أثبته.]] قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، ورواية عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 38، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 252.]]، واللمم على هذا القول ما ألموا به من الذنوب والفواحش في الجاهلية. القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك [[انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 108.]]، وعلى هذا القول: الكبائر والفواحش موجبات الشرك. والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه. فهذا معنى اللمم في هذا الموضع [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 75.]] يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]، وتم الكلام هاهنا [[انظر: "القطع والائتناف" ص 692 قال: والتمام عند يعقوب وجماعة معه بعد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، و"المكتفى في الوقف والابتداء" ص 543.]]. ثم قال قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو: وَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ... لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا [[ورد في "ديوانه" 367، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98.]] أي إلا دفينًا في قبره. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 253، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110.]]، وقال الفراء: هو أعلم أولاً وآخرًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.]]. ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان ناس يقولون: صلينا وصمنا وفعلنا وفعلنا، فأنزل الله ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253.]]، قال الفراء: لا يقولن أحدكم عملت كذا وفعلت كذا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.]]، فعلى هذا معناه النهي عن الاعتداد بالأعمال. وقال آخرون: معناه لا تبرؤوها ولا تمدحوها، يدل على هذا ما روى أن زينب بنت أبي سلمة [[زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومة، ربيبة النبي -ﷺ- وأخت عمر، == ولدتهما أم المؤمنين بالحبشة، ماتت سنة (73 هـ) وحضر ابن عمر جنازتها. انظر: "طبقات ابن سعد" ص 461، و"الإصابة" 4/ 317، و"أسد الغابة" 5/ 468، و"تقريب التهذيب" 2/ 600، و"أعلام النساء" 2/ 67.]] قالت: سميت برة فقال النبي -ﷺ-: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بالبر منكم. قالوا: ما نسميها؟ قال: سموها زينب" [["صحيح البخاري"، كتاب: الآداب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه 8/ 53، و"صحيح مسلم" كتاب: الأدب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن 3/ 1688.]]. والمعنى: لا تزكوها بما ليس فيها. ويجوز أن يكون المعنى على العموم وذلك أنه أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرياء والعجب ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أي بر وأطاع. وقال الحسن: أخلص العمل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110، و"فتح القدير" 5/ 113.]].