الباحث القرآني

وَأَن لَّیۡسَ لِلۡإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ
قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عطف على قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، والمعنى: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا، قاله مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب.]]. قال أبو إسحاق: معناه: ليس له إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا أُجزي خيرًا، وإن عمل شرًا أُجزي شرًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]]. هذا معناه في الظاهر. ثم المفسرون مختلفون في حكم الآية، فروى الوالبي عن ابن عباس أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: 21] الآية، أدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 44، و"الكشف والبيان" 12/ 16 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]]، ورفع درجاتهم وإن لم يستحقوها بأعمالهم، ونحو هذا قال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعى غيرهم نيابة عنهم [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 16 أ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 254.]]، بدليل حديث المرأة التي قالت لرسول الله -ﷺ-: إن أبي مات ولم يحج، قال: "فحجي عنه" [[جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب: حج المرأة عن الرجل 3/ 23، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت 2/ 974.]]. وقال العلماء من أصحابنا: هذه الآية تدل على منع النيابة في الطاعات إلا ما قام عليه الدليل كالحج [[انظر: "الأم" 2/ 104، و"الحاوي الكبير" 4/ 17.]]، وهذا إذا قلنا إنه غير منسوخ الحكم، وعلى ما ذكر الوالبي وعكرمة: الآية منسوخة الحكم في شرعنا. وقال الحسين بن الفضل [[تقدمت ترجمه في سورة البقرة.]]: هذا من طريق العدل ليس للإنسان إلا ما سعى ولله أن يتفضل عليه بما يشاء من تضعيف الحسنات [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 17 أ، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" == 27/ 66. قال مكي: والبين في هذا الذي يوجبه النظر وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 423. وانظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 114، و"فتح القدير" 5/ 114.]].