الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى الناس بالأموال ومولهم (وأقنى) اختلفوا فيه، فقال أبو صالح: أعطى القنية وأصول الأموال التي تقتنى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 45، و"معالم التنزيل" 4/ 256.]]. والاكثرون قالوا: أقنى قنّع ورضّى بما أعطى الفقير، وهو قول مجاهد، ومقاتل، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 301، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 132 أ. وفي "صحيح البخاري" قال: ابن عباس: (أغنى وأقنى) أعطى وأرضى، و"كتاب التفسير" سورة النجم 6/ 175. قال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، و"فتح الباري" 8/ 606.]]، والقول الأول اختيار أبي عبيدة، والمبرد، وابن الأعرابي، قال أبو عبيدة، والمبرد: أغنى أقوامًا وجعل لهم قنية وهي أصل المال [[في (ك): (مال) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 238.]] من أي مال كان. وقال ابن الأعرابي: أقنى أعطاه ما يدخر بعد الكفاية [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 313، و"اللسان" 3/ 177 (قنا).]]، وأبو إساق ذكر القولين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.]]، وهما يرجعان إلى أصل واحد. قال الليث: يقال: قنيت به، أي: رضيت، وأقنيت لنفسي مالاً، أي: جعلته قنية أرتضيه، وأنشد للمتلمس: وألقيته بالثّني من جَنْبِ كافرٍ ... كذلك أقْنُو كلَّ قِطّ مُضَلِّلِ [[البيت ورد في "تهذيب اللغة" 9/ 312، و"اللسان" 3/ 177 (قنا)، و"الخزانة" 3/ 23، و"المذكر والمؤنث" ص 416.]] قال: أقنو بمعنى أرضى. وقال غيره: أقنو ألزم وأحفظ [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 314 (قنا).]]، فالاقتناء يتردد بين أصلين. أحدهما: الرضا، وذلك أن الإنسان لا يقتني إلا ما يرتضيه، فعلى هذا أصل القولين الرضا، والآخر: الحفظ واللزوم، ومنه يقال: قنا الحياء، إذا لزمه، ومنه قول الشاعر: فأقْنَى حياءَك لا أبالَكِ إنني ... في أرض فارس موثقٌ أحوالًا [[انظر: "اللسان" 3/ 177 (قنا) وقال أنشده ابن بري ولم ينسبه لقائل.]] والقنية ما يلزمها الإنسان ويحفظها. وعلى هذا الأصلان مختلفان. قال الضحاك، والحسن، وقتادة: أغنى في المال وأقنى في الخدم [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 45.]]، وهؤلاء خصوا الاقتناء بإعطاء الخدم. وأما ما روي عن ابن زيد أنه قال: أغنى أكثر وأقنى أقل [[انظر: "جامع البيان" 27/ 45، وفي "معالم التنزيل" 4/ 256، و"الجامع" للقرطبي 17/ 119، نسبه للأخفش وهو قول الحضرمي أيضًا. وقال ابن كثير معقبًا على هذا القول: وهما بعيدان من حيث اللفظ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 259. وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 169: وقد تكلم المفسرون على ذلك فقالوا اثني عشر قولًا كقولهم: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، وكل قول منها لا دليل على تعيينه، فينبغي أن تجعل أمثلة.]]، ولا وجه لقوله أقنى أقل في اللغة، إلا أن يقال: معناه رضي بالفليل كما ذكره الأكثرون فترك ذلك الرضا واقتصر على القلة.