الباحث القرآني

وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ مرتفع ﴿هُوَ﴾ فيه بالابتداء وليس هو وهو، وكان قوله: ﴿بِالْأُفُقِ﴾ ظرفًا لـ (استوى)، وليس كذلك، ولكنه من استوى الذي هو يقتصر فيه على فاعل واحد، كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] فقوله: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ تأويلنا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدأ، وقد تبينت أنه لا دلالة لمن احتج بهذه الآية على جواز عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكد، ولكن يجيء في الشعر كقوله: قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ... كَنِعاجِ اْلْمَلا تَعَسَّفنَ رَمْلا [[البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في "ديوانه" ص 177، و"الكتاب" 1/ 390، و"الخصائص" 2/ 2، و"الإنصاف" ص 475.]] انتهى كلامه [[لم أجده.]]. وعلى ما قالا: الواو في ﴿وَهُوَ﴾ واو الحال لا العطف، والضمير لجبريل. وقول الفراء كما هو خطأ في العربية، ولم يقله أيضًا أحد من المفسرين الذين يعتمدون فيما أعلم، إنما جعلوا ﴿هُوَ﴾ ضميرًا لجبريل. قال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله -ﷺ- جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي عنه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، وفي صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة == النجم 6/ 176، عن ابن مسعود بلفظ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ... رأي جبريل له ستمائة جناح.]]. وقال مقاتل ﴿وَهُوَ﴾ يعني جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ يعني من قبل المطلع [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.]]. وقال الكلبي: يعني مطلع الشمس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291.]]، وهذا قول الجميع في الأفق الأعلى. يعني: أفوق المشرق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق 2/ 250، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.]]. وذكرنا تفسير الأفق عند قوله: ﴿آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [[عند تفسيره لآية (53) من سورة فصلت. حيث قال: واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء أطرافها ونواحيها.]]. قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله -ﷺ- في صورة الآدميين فسأله رسول الله -ﷺ- أن يريه نفسه على صورته التي جعل عليها فأراه نفسه مرتين. مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا [[قوله: (وذلك أن محمدًا) زيادة من "الوسيط" حيث لم تظهر في (ك).]] -ﷺ- كان بحراء [[حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال. انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.]] فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله -ﷺ- مغشيًّا عليه، فنزل جبريل في سورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، ومثل هذا [[في (ك): (ومثل هذا) لم تظهر ولعل ما أثبته يقيم العبارة.]] قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23]، وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ويأتي بيانه بعد ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. هذا، ولم يره أحد من الأنبياء [[في (ك): (الأنبياء) مطموسة.]] على تلك الصورة إلا محمد -ﷺ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 4 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 245، و"زاد المسير" 8/ 65.]]. وقوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ليس المراد به الأعلى في السماء، وإنما المراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، فهو أعلى منه في صعيد الأرض لا في الهواء. وقد يقال لما استعلى من البلاد آفاق تشبيهًا بآفاق السماء ومنه قول امرئ القيس: فقد طوفتُ بالآفاق حتى ... رضيتُ من الغنيمةِ بالإياب [[تقدم تخريجه.]]. ويجوز أن يكون المراد بالأفق الأعلى طرف السماء، ويدل على صحة هذا التفسير الذي ذكرنا وهو أن جبريل كان بالأفق الأعلى دون محمد -ﷺ-.