الباحث القرآني

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القاب من القوس ما بين المقبض والسية [[سية القوس: ما عطف من طرفيها، ولها سيتان، وقيل: رأسها، وقيل: ما اعوج من رأسها. "اللسان" 2/ 255 (سيا).]]. ولكل قوس قابان، والقاب في اللغة أيضًا القَدْر. قال أبو عبيدة: قدر قوسين، ونحو ذلك قال الفراء والزجاج [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 71، و"اللسان" 3/ 11 (قوب).]]. وقال ابن السكيت: يقال: قاب قوس وقيب، وقال رمح، وقيد رمح. كله بمعنى القدر [[انظر: "إصلاح المنطق" ص 89، ولفظه: قاب قوس وقيب قوس، وقيس رمح وقاس رمح .. ، و"تهذيب اللغة" 9/ 247 (قاد).]]. وهذا هو المعنى بما في الآية لا الأول وهو قول المفسرين جميعًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"القرطبي" 17/ 89.]]. قال الكسائي: وهي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقال قوشن، وقيد قوسين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 5 ب.]]، وانتصب قاب على خبر كان. قال الزجاج: المعنى كان ما بينه وبين رسول الله -ﷺ- مقدار قوسين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 71.]]. وقال الكلبي: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قدر قوسين من القسط العربية، وهو قول مجاهد، ورواية عكرمة عن ابن عباس، وعطاء قالوا: قدر قوسين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الوسيط" 4/ 194، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"زاد المسير" 8/ 76.]]. وقال الكلبي، والحسن، وقتادة: قيد قوسين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"جامع البيان" 27/ 27.]]. والمراد بالقوس هي التي ترمى منها في قول هؤلاء وخصت بالذكر على عادتهم كما ذكره الكسائي [[انظر: "الوسيط" 4/ 194.]]. وقال عبد الله: قدر ذراع أو ذراعين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27.]]. وروى عاصم عن أبي رزين قال: القاب: القيد، والقوس: الذراع. وهذا قول شقيق [[في (ك): (سفيان) والصواب ما أتبته.]] بن سلمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق الهمداني قالوا: قدر ذراعين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194، "القرطبي" 17/ 90. == قال ابن حجر: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر، والقوسان الذراعان، ويؤيده أنه المراد به القوس التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلاً: قاب رمح أو نحو ذلك. "فتح الباري" 8/ 610.]]، وعلى هذا معنى القوس: ما يقاس به الشيء، أي: يقدر كالذراع. قال ابن السكيت: قاس الشيء يَقُوسُه قوسًا لغة في قاسه إذا قدرته، يقال قِسْتُه وقُسْتُه [[انظر: "إصلاح المنطق" 137، و"تهذيب اللغة" 9/ 225 (قاس).]]. والقوس مصدر كالقيس، ثم سُمِّي ما يقاس به الشيء قوسًا، وهي لغة أهل الحجاز. وروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها في قوله [[في (ك): (في قوله) ساقطة.]]: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: ذاك جبريل [[انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب قوله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 159، و"جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194.]]، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 251، و"ابن كثير" 4/ 249، و"فتح الباري" 8/ 608.]]. وقوله: (أَوْ أَدْنَى) أو أقرب بنصف القوس، وقال مقاتل: بل أقرب من ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.]]. قال أبو إسحاق: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تقدرون أنتم كما تقول في الشيء تقدره: هذا قدر رمحين، أو نقص، أو أرجح، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء من غير شك، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 71.]]، وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [[من آية (147) من سورة الصافات. قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: أو هاهنا ليست شك، وقالوا هي في موضع الواو .. وهو قول قطرب واختيار ابن قتيبة، ومثله (أَوْ أَدْنَى) ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى (بل)، وبه قال الفراء وهو قول مقاتل والكلبي ... وقال الأخفش: كانوا كذلك عندكم .. وبه قال الزجاج.]]. ومعنى الآية أن جبريل مع عظمه وكثرة أجزائه حتى سد الأفق بجناحه دنا من النبي -ﷺ- في غير تلك الصورة حتى قرب منه بعدما رآه على الصورة الأولى، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.