الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني الصاعقة التي أخذتهم وهي مذكورة في مواضع من التنزيل، وقال عطاء: يريد صيحة جبريل [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 262، و"زاد المسير" 1/ 97، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 142.]]. ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ قال أبو عبيدة: الهشيم ما يبس من الشجر أجمع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]]. وقال المبرد: الهشيم حطام البقل [[انظر: "الوسيط" 4/ 211.]]. وقال أبو إسحق: هو ما يبس من الورق وتكسر وتحطم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 9.]]، ومضى تفسير الهشيم عند قوله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ [الكهف: 45]. والمحتظر مفتعل من الحظير، ومعنى المحتظر في كلام العرب: المنع، ذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 2] ويقال: احتظر على نَعَمِهِ وحظر إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض ليمنع برد الريح عن النَعَم، ويقال لذلك المانع حَظَارٌ بفتح الحاء وكسره، وكذلك الحطب الرطب الذي يحظر به حظر، ومنه قول الشاعر: ولم يَمْشِ بينَ الحَيَّ بالحَظِرِ الرّطْبِ [[اليت لمالك بن أبي كعب. وصدره: من البيض لم تصطد على خيل لأمة وانظر: تهذيب اللغة 4/ 455، و"اللسان" 1/ 666 (حظر)، و"الكشاف" 4/ 297، و"تفسير الماوردي" 4/ 542.]] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: المحتظر صاحب الحظيرة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241 و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.]]. واختلفوا في (هشيم المحتظر) ما هو؟ فقال الكلبي: وذلك أن الرجل كان يجعل لغنمه حظيرة يحظرها فيها دون السباع [[في (ك): (الشمال).]] من الشجر، فما سقط من ذلك الشجر وداسته الغنم فهو هشيم، فشبه القوم به حين فرقت حومهم وعظامهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 61، عن الضحاك، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 27 أ، عن ابن عباس، و"معالم التنزيل" 4/ 262، عن ابن عباس.]]، وهذا القول اختيار الزجاج، فقد قال: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.]]. وهذا يحتمل أنه أراد الذي صار هشيمًا مما جمعه، ويحتمل أنه أراد أن صاحب الحظيرة، وهو صاحب الماشية يجمع الهشيم لعلف ماشيته، وقد صرح المبرد بهذا فقال: المحتظر هو الذي يجمع الهشيم لغنمه، فاضيف إليه؛ لأنه يجمعه. ونحو هذا قال ابن قتيبة: يعني الذي يجمع الحشيش في الحظيرة لغنمه [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 434.]]. وقال مقاتل: شبههم في الهلاك بالهشيم البالي، وهو الحظيرة من قصب يصيبها ماء السماء وحر الشمس فتبلى من طول الزمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب.]]. وقال الفراء: معنى قولهم: كهشيم المحتظر، أي كهشيم الذي يحتظر على غنمه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 18.]]. قال الأزهري: أراد أنه حظر حظارًا رطبًا على حظار قديم قد يبس [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 454 (حظر).]]. والمعنى أنهم بادوا وهلكوا فصاروا كيابس الشجر إذا تحطم. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد مثل القمح الذي قد يبس وهشم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 243.]]. وعلى هذا المحتظر الذي يتخذ حظيرة على زرعه، والهشيم فتات السنبل وقصب القمح إذا ديس. وذكر في الآية قولان فاسدان. أحدهما: كالتراب الذي يتناثر من الحائط [[قاله سعيد بن جُبير. انظر: "جامع البيان" 27/ 61، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 27 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 262.]]، وذلك لا يسمى هشيماً. والآخر: كالعظام المحترقة [[قاله قتادة انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 259، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 142.]]، وهذا بعيد.