الباحث القرآني

ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: إنا كل شيء جعلنا له شكلًا يوافقه ويصلح له، فالمرأة للرجل، والأتان للحمار، والرمكة للفرس، وثياب الرجال للرجال لا تصلح للنساء، وثياب النساء للنساء لا تصلح للرجال، وكذلك ما شاكلها على هذا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 29 أ، ب، ذكره عن ابن عباس من غير سند.]]. وقال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي كقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] وهذا قول الربيع [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 29 أ.]]. وقال مقاتل: يعني أنه قدر لهم العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 134 ب.]]، وعلى هذا التفسير الآية متصلة بما قبلها، وروى محمد بن عياد المخزومي [[محمد بن عياد بن جعفر المخزومي، المكي، ثقة. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 174.]] عن أبي هريرة أن قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ نزلت في القدرية [[سموا بذلك لقولهم في القدر، زعموا أن العبد هو الذي يخلق فعله استقلالًا فأثبنوا خالقًا مع الله، ولذا سماهم النبي -صلي الله عليه وسلم- مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس قالوا بإثبات خالقين: النور والظلمة، وهم يزعمون أن الله لا يقدر على مقدرات غيره. وهذا هو مذهب المعتزلة في القدر. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني 1/ 54، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان" ص 26.]]، وذلك أن مشركي قريش جاءوا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم - يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآيات [[رواه مسلم في كتاب القدر، باب: كل شيء بقدر، وأحمد في "مسنده" 2/ 444، والترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة القمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والثعلبي في "تفسيره" 12/ 29 ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص 425.]]، وهذا قول محمد بن كعب القرظي قال: نزلت تعييرًا لأهل القدر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 65.]]. وعلى هذا القول المراد بالمجرمين القدرية المشركون وإخوانهم من قدرية هذه الأمة، يكونون في حكمهم. يدل على ذلك ما روى زرارة [[في (ك): (زراة) وهو زرارة بن أوفى العامري، أبو حاجب، قاضي البصرة، ثقة، عابد، قرأ في الصبح ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فخر ميتًا سنة (93 هـ). انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 15، و"أخبار القضاة" 1/ 292، و"تاريخ البخاري" 3/ 438، و"صفة الصفوة" 3/ 23، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 515.]] أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قرأ هذه الآيات وقال: "إنها نزلت في ناس يكونون في آخر أمتي يكذبون بقدر الله" [[رواه ابن أبي حاتم، والطبراني. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. "مجمع الزوائد" 7/ 111. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 464، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 267.]]. وروي عن أبي ذر قال: قدم وقد نجران على النبي -ﷺ- فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؟ فأنزل الله هذه الآيات. فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: "أنتم خصماء الله يوم القيامة" [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 464، عن عطاء، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 148، بدون سند وأخرجه الثعلبي عن سيار بن الحكم .. إلى قوله: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى آخر السورة، ولم ينسبه، يذكره من قول النبي -صلي الله عليه وسلم -.]]. ويؤكد هذا ما روى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رسول -ﷺ- قال: "ينادي مناد يوم القيامة ليقم خصماء الله، وهم القدرية" [[رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" 1/ 148، باب إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم خصماء الله تعالى. وقال عنه الألباني: إسناده ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط من رواية بقية، وهو مدلس، وحبيب بن عمرو مجهول. انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 26 وقال الألباني -بعد ذكره للحديث وتخريج الهيثمي وحكمه على بقية وحبيب بن عمرو- قلت: قد شرح بقية بالتحديث عند المصنف فزالت شبهة تدليسه وانحصرت في شيخه.]]. ويزيد وضوحًا هذه الجملة ما روي عن كعب أنه قال: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم، وهو قول عطاء عن ابن عباس أن الآيات نزلت في القدرية من المشركين الذين جادلوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم - [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 311، قال ابن حجر: وأشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية. انظر: "فتح الباري" 11/ 478.]]. وعلى هذا معنى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي كل ما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، يدل على هذا قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ذكر ذلك أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 92.]]. وروى الوالبي عن ابن عباس قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 65، و"الكشف والبيان" 12/ 29 ب.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.