الباحث القرآني

وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿والحب ذا العصف﴾ نصبًا [[قرأ ابن عامر: ﴿والحبَّ ذا العصف﴾ بالنصب وقرأ الباقون ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ انظر: "حجة القراءات" ص 69، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]]، حمله على قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ مثل خلقها للأنام، وخلق الحب ذا العصف. واختلفوا في تفسير العصف، فقال الليث: العصف ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التبن، قال: والعصف أيضًا ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، كل ذلك من العصف [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 41، و"اللسان" 2/ 796 (عصف).]]. وقال الفراء: العصف: بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه وهو ورق بعد، قال: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه شيئًا قبل إدراكه فذلك العصف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113.]]. وقال النضر: يقال: عصفنا الزرع نعصفه، أي: جززنا ورقه ليكون أخف للزرع، وإن لم يفعل مال بالزرع. [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 41 (عصف).]] وقال ابن عباس: العصف والعصيفة ورق السنبل. [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 157 ونسبه للهروي.]] وقال أبو إسحق: العصف ورق الزرع، ويقال للتبن عصف وعصيفة، وأنشد أبو عبيدة: يُسقي مذانبَ قد مالتْ عَصيفَتُها ... حدودها من أتيّ الماء مطموم [[البيت لعلقمة بن عبدة، والمذانب الجداول التي يسيل فيها الماء، وطَمَّ الماء يَطِمُّ طَمًّا وطُمُومًا. علا وغمر، وكل ما كَثُرَ وعَلا حتى غَلَب فقد طَمَّ يَطِمُّ. انظر: "ديوان علقمة" ص 117، و"مجاز القرآن" 2/ 242، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 97، و"جامع البيان" 27/ 71، و"اللسان" 1/ 18 (ذنب)، 2/ 615 (طم)، 2/ 796 (عصف).]] فحصل من هذا الأقوال أن العصفَ ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا. وعلى هذا يدور كلام المفسرين. قال مجاهد: هو ورق الزرع، وهو قول مقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي والعوفي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314، و"تفسير مقاتل" 135 أ، و"جامع البيان" 27/ 71.]]. وقال قتادة: ﴿الْعَصْفِ﴾ التبن، وهو قول الضحاك، ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 262، و"جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 أ.]]. وروى السدي عن أبي [[في (ك): (ابن).]] مالك قال: هو أول ما ينبت [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، سورة الرحمن، 6/ 18.، قال: وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت. قال ابن حجر: وليس له -أي لابن مالك- في البخاري إلا هذا الموضع. "فتح الباري" 8/ 621، و"جامع البيان" 27/ 71، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك.]]. قال ابن كيسان: العصف: ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولًا ورقًا، ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث في الأكمام الحب [[انظر: "الوسيط" 4/ 218، و"معالم التنزيل" 4/ 268، و"فتح القدير" 5/ 132.]]. قوله تعالى: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قال أبو زيد: الريحان كل بقلة طيبة الريح، يقال للطاقة منها ريحانة، سميت ريحانة: لأن الإنسان يراح له رائحة طيبة إذا مسها، أي يدركها. قال: رحت الشيء أراح إذا أردت رائحته وهو فَعْلان من الرائحة والريح، وأصل الياء فيه واو قلبوها ياء فرقًا بينه وبين الروحان، وهو شيء له روح، ويقال: شيء ريحاني وروحاني، حكاهما ابن الأعرابي، وما يتركب من الراء والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك الحركة والاهتزاز فالرائحة فاعلة من راحت الريح تروح روحانًا إذا تحركت، ذكر هذا كله أبو القاسم الزجاجي. وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الريحان فَيْعِلانا، والعين محذوفة كأنه كان في الأصل ريوحان فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون أدغم أحدهما في الآخر فقيل ريحان، ثم خفف كما قلنا في سيد وميت وهين [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 245 - 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 157.]]. قال أبو القاسم: وسمت العرب الرزق ريحانا؛ لأن الإنسان يرتاح له [[كذا في (ك)، ولم تتبين ليّ.]] ويقوى به روحه، واللغة العرفية في الريحان أنه يطلق على ما له رائحة من الأنوار، وقال أبو عبيدة: الريحان الحب الذي يؤكل، ومنه يقال: سبحانك وريحانك، أي: رزقك، وأنشد للنمر بن تولب: سلام الإله وريحانُه ... ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ [[انظر: "المنصف" 2/ 11، و"مجاز القرآن" 2/ 243، و"تفسير غريب القرآن" ص 437، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 97، و"اللسان" 1/ 1247 (روح).]] وقال الفراء: والريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 113 - 114.]]. وقال أبو إسحق: والعرب تقول: سبحان الله وريحانه. قال أهل اللغة: واسترزاقه، وأنشد بيت النمر، قال: معنى ريحانه: رزقه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 97.]]. قال مجاهد: الريحان الرزق. وهو رواية عكرمة والكلبي عن ابن عباس [[اظر: "تفسير مجاهد" 2/ 64، و"جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 أ، و"صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن 6/ 73، قال: وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، والريحان الرزق.]]. قال المقاتلان: هو بلغة حمير [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 25 أ، ونسبه لمقاتل بن حيان.]]. وقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 71، و"الكشف والبيان" 12/ 35 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 268.]]. واختلفوا في إعراب (الريحان) فقرأ الأكثرون بالرفع على معنى: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض حملًا على (ذو) كأنه والحب ذو العصف وذو الريحان، أي: من الحب الرزق، وأريد بالريحان الرزق إذا خرج وخلص من لفائفه وهو رزق للناس، والعصف رزق للدواب، فذكر قوت الناس والأنعام كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: 53] وقال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 73، عبس: 32] فكذلك العصف يختص بأنه رزق الأنعام، والريحان يعم الأناسي وغيرهم، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون الريحان المشموم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 245 - 246.]]، واختار أبو عبيد هذه القراءة. قال: لأن الريحان في التفسير الرزق، والعصف الورق فيكون المعنى أن الحب ذو ورق ورزق، ومن رَفع الريحان على الابتداء صار التأويل في الحب أنه ذو ورق لا غير، ولا أحب هذا المعني. قال المبرد: الذي قال أبو عبيد يجوز، ولكن فيه بعد؛ لأن الحب هو الرزق نفسه ليس غيره فيبعد أن يقال للرزق ذو الرزق، إلا أن يحمل على ما قال مقاتل أن الريحان الرزق بلغة حمير، وهو ما يخرج من الحب من دقيق أو سويق أو غيره، قال: والوجه الرفع في الريحان؛ لأنه إن أريد بالريحان الرزق كان المعنى فيها: الحب ذو العصف: أي: الذي معه ورقه، وتم الكلام ثم قال: ﴿الرَّيْحَانُ﴾ أي الرزق المنفرد، وإن أريد بالريحان المشموم، ولذلك فهذه القراءة تحتمل القولين في تفسير الريحان. قال: والظاهر أن الريحان في هذا الموضع هو الذي يشم؛ لأن الريحان إذا جاء مطلقًا وقع على ما يشم، وهذا هو الأحسن في التفسير، لأنه لما قيل: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ كان ذلك جامعًا لأكثر المأكولات ثم ذكر بعدها ما يشم مما يخرج من الأرض؛ لأن النعمة على الناس عظيمة جليلة في المأكول والمشموم، والريحان إذا جاء بلا دليل انطلق على المشموم لأنه اسمه الخاص، وإذا عني بالريحان الرزق احتيج إلى أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما قال سيبويه، يقال: سبحان الله وريحانه. تقديره: تسبيحًا واسترزاقًا [[انظر: "الكتاب" 1/ 322.]]. وقرأ ابن عامر: (والريحانَ) نصبًا اتباعًا لقوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ على قراءته [[قرأ ابن عامر ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ بالنصب، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ في بخفض النون. وقرأ الباقون برفع النون ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾. انظر: "حجة القراءات" ص 69، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 45.]]. قال أبو علي: وانتصب ريحان فيما حكاه سيبويه انتصاب المصادر، وذكرنا في وزنه قولين، فإن قلنا وزنه فيعلان كان هذا اسمًا موضوعًا موضع المصدر؛ لأنه ليس في أبنية المصادر شيء على هذا الوزن فيكون كقولهم: تربا وجندلًا، ونحو ذلك مما وضع موضع المصادر، أو يجعله مصدرًا اختص به المعتل كما اختص بكينونةٍ [[قال ابن منظور: وكان الخليل يقول: كيْنونة فيعولة هي في الأصل كيونونة، التقت منها ياء وواو والأولى منهما ساكنة فصيرتا ياء مشددة مثل ما قالوا الهيّن من هُنْتُ، ثم خففوها فقالوا: كينونة كما قالوا: هَيْنٌ لَيْنٌ، انظر: "اللسان" 3/ 316 (كون).]] وإن جعلته فعلًا بيكون مثل الكيان وليس هذا كما لزمه الانتصاب من المصادر نحو معاذ الله وسبحان الله ألا ترى أنه قد جاء مرفوعًا في بيت النمر ومجرورًا في قراءة حمزة [[تقدم توثيقها، وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 246.]]. قال أبو إسحق: وقد ذكر الله -عز وجل- في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمس والقمر والسماء والأرض. ثم خاطب الجن والإنس فقال: