الباحث القرآني

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها مُنعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 98.]]. وتقدم الكلام في تفسير الآلاء في سورة الأعراف [[عند تفسيره الآية (69) من سورة الأعراف وآلاء: النعم، واحدها أَلىّ بالفتح، وإليٌّ، وإلى. "اللسان" (ألا).]]، قال الكلبي: فبأي آلاء ربكما يريد الإنس والجن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 314]]. فإن قيل: على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب، والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16.]] وقد ذكرنا هذا عند قوله ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وهذا الوجه اختيار ابن الأنباري. وقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[من آية (32) من سورة ص، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 158.]]. وذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام وهحناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ كما قال المثقب العبدي [[هو عائذ بن محصن بن ثعلبة، أبو عَدِيّ الملقب المثقَّب. من بني نُكْرَة. تقدمت ترجمته. والأبيات وردت في "مغني اللبيب" وشرح شواهده للسيوطي / 69، و"شرح المفصل" 9/ 138، و"المفضليات" ص 292، و"شرح شواهد الشافعية" ص 188.]]: وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني فقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 58 (نأم).]]. وهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 243.]]. وأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها. وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟ ألم أحجج بك وأنت صرورة؟ ألم أحملك وأنت راجل؟ أفتنكر هذا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 35 ب، 34 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 16، و"فتح القدير" 5/ 133، والصرورة الذي لم يحج.]]؟ وقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد [[الحارث بن عباد البكري، كان من حكام ربيعة وفرسانها المعدودين، ولد له عقب. توفي سنة 55 م. انظر: "الشعر والشعراء" ص 262، و"الكامل" 2/ 231، و"الأغاني" 5/ 4، و"الخزانة" 1/ 225، و"الأعلام" 2/ 156، والبيت ورد في "الحيوان" 1/ 22، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 27، و"المنصف" 3/ 59.]]: قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل من حيال وكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي [[مرثد بن أبي حمران الجعفي، ولكنى أبا حمران. شاعر جاهلي. انظر: "الاشتقاق" ص 243، و"المؤتلف" ص 47، البيت ورد في "الأصمعيات" ص 142، ولفظه: وكتيبة وجهتها لكتبه حتى نقول سرائهم هذا الفتى.]] في قصيدته التي يقول فيها: وكتيبة لبستها بكتيبة حتى ... تقول نساؤهم هذا فتى فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما: كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم [[ورد البيت في "تأويل مشكل القرآن" ص 236، و"أمالي المرتضى" 1/ 84، و"الصباحي" ص 177، ولم ينسب لقائل.]] فكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله -عز وجل- ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾، وقوله في ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [[[القمر: 17، 22، 32، 40، 51].]]، وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [[[المرسلات: 15، 19، 24، 28، 34، 37، 40، 45، 47، 49].]] جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه [[قلت: كلام الجرجاني هذا توضيح وبيان لما قاله أهل المعاني، وشرحه ابن قتيبة. وانظر: "روح المعاني" 27/ 97.]].