الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال أبو صالح: يسأله من في السموات الرحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق [[وهو المروي عن ابن عباس أيضًا. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317، و"الكشف والبيان" 12/ 38 ب، و"الوسيط" 4/ 221، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 166.]]. وقال مقاتل وابن جريج: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأله الملائكة لهم أيضًا الرزق والمغفرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 27، و"البحر المحيط" 8/ 193.]] يدل على هذا قوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 5]. والوقف على (الأرض) حسن، لأن قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كلام آخر من نعت عظمته [[انظر: "القطع والائتناف" ص 697 - 698، حيث قال: قال عيسى بن عمر: قال أبو حاتم: (يسأله من في السموات والأرض). تام، ثم قال جل وعز: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.]]. وقال الأخفش: لا يحسن الوقف على (الأرض) لاتصال معنى الآية وذلك أنه أخبر في النصف الأول من الآية من سؤال الخلق إياه، والسؤال [[في (ك): (وسؤال).]] مختلف؛ لأن كل أحد يسأل ما يهمه، ثم أخبر في آخر الآية أنه في شأن من إعطاء سؤلهم، وقضاء حوائجهم، وكفاية أشغالهم على ما يرى التدبير في ذلك. وكل يوم ينتصب بالظرف؛ لقوله ﴿فِي شَأْنٍ﴾ وقال يعقوب: انتصب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ بالسؤال، والمعنى: "سأله من في السموات والأرض كل يوم" وهاهنا الوقف، ثم قال ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي ربنا في شأن على ما يذكر من تفسير ذلك الشأن، وهذا قول غير بعيد. قال أبو جعفر النحاس: وقال يعقوب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ فهذا الوقف التام، ثم قال النحاس: أما قول يعقوب فمخالف لقول الذين شاهدوا التنزيل [[انظر: "القطع والائتناف" ص 697 - 698.]]. والذي يوافق ما ذكره المفسرون أن يكون ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرفًا لقوله ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لأنهم قالوا: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر ويعز ويذل، ويفك عانيا ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء. ذكر ذلك مجاهد، والكلبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وعطاء عن ابن عباس [[لم أقف على هذه الرواية عن عطاء. وانظر: "تفسير مجاهد" 2/ 642، و"جامع البيان" 27/ 78، و"العظمة" 2/ 479 - 488، ونحو هذا روى أبو الدرداء عن النبي في -ﷺ- قال الألباني بعد ذكره لطرق الحديث: حديث صحيح، ورجاله موثقون، وفي هشام كلام، لكنه توبع. انظر: "تخريج السنة" 1/ 13. وذكر ابن كثير الرواية عن أبي ميسرة وعن غيره، ثم قال: دخل الكلام بعضهم في بعض وإسناد المؤلف -يعني أبا الشيخ- إلى أبي ميسرة صحيح. انظر: "تفسبر القرآن العظيم" 4/ 273.]]، ومقاتل، وذكر السبب في نزوله، فقال: إن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا فأنزل الله في ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 38 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 27.]] ويؤكد ما ذكرنا ما روي عن عبد الله بن منيب [[عبد الله بن منيب؛ ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 5/ 152، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 3/ 374، ونقل عنه ابن السكن أنه قال: عبد الله والد منيب له صحبة.]] أنه قال: تلا علينا رسول الله -ﷺ- هذه الآية فقلنا: "يا رسول الله: وما ذاك الشأن؟ قال: يغفر ذنبًا ويفرج كربًا، ويرفع قوماً، ويضع آخرين" [[أخرجه الطبراني، والبزار، وابن أبي حاتم، قال البزار: لا أعلم أسند عبد الله بن منيب إلا هذا الحديث. "تخريجات الكشاف" 4/ 162. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار وفيه من لم أعرفهم. "مجمع الزوائد" 7/ 117. واستشهد به الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 623، لحديث أبي الدرداء. وتعقبه الألباني بقوله: عمرو بن بكر السكسكي متروك كما في "التقريب" 2/ 66. قلت: فيتعجب منه كيف اعتبره شاهدًا مع هذا الضعف الشديد. "ظلال الجنة في تخريج السنة" 1/ 13 فالحديث ضعيف جدًّا؛ لأن عمرو بن بكر متروك وفيه عدة مجاهيل. "العظة" بتحقيق المباركفوري 2/ 483.]]. ويزيده وضوحًا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن مما خلق لله -عز وجل- لوحًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور ينظر الله -عز وجل- فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، ولا يشغله شأن عن شأن، فذلك قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [[أخرجه الحاكم 2/ 119، وفي سنده أبو حمزة الثمالي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا حمزة الثمالي لم ينقم عليه إلا الغلو في مذهبه فقط. وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 79، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 492، 496، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 264، 426، موقوفاً على ابن عباس، كلهم عن أبي حمزة الثمالي، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" بسنده برقم (12511) وبرقم 506 موقوفاً على ابن عباس، ص 293. قال الألباني في تعليقه على الطحاوية: (إسناده يحتمل التحسين، فإن رجاله كلهم ثقات غير بكير بن شهاب، وهو الكوفي، قال فيه أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات" 2/ 32، وفي كتاب "العظمة" قال محققه بعد ذكره لطرق الحديث: وإذا ضم إلى هذا الطريق -أي طريق أبي الشيخ- الطرق التي أوردناها وفيها ما يحتمل التحسين يرتفع عنه الضعف ويصل درجة الحسن، و"العظمة" 2/ 494. وفي موقع آخر قال: ولكن للحديث طريق أخرى تجعل إسناده حسنًا موقوفًا من كلام ابن عباس 2/ 497 وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقاته على "الطحاوية" 2/ 344، بعد ذكره لتخريج الطبراني له: وسنده حسن. وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 191.]]. ومعنى الشأن في اللغة: خطب له عِظَم، وجمعه شؤون. قال أبو الجوزاء [[في (ك): (الجزاء) وانظر. "الدر المنثور" 6/ 143 - 144، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد]] في هذه الآية: ولا يشغله شأن عن شأن [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 415، و"اللسان" 2/ 258 (شأن).]]، هاهنا [[كذا في (ك) وظاهر العبارة يدل على سقط لعل استقامتها: ولفظه هاهنا واحد. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 167.]] واحد والمراد به الجمع كقوله ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] وإن شئت قلت: إن ما يحدثه الله تعالى كل يوم في خلقه شأن واحد، ولا تنافي بين هذه الآية وبين ما في الأخبار من سبق القضاء بالأمور، وذلك أن القضاء قد سبق قبل خلق الأجسام، والذي يحدثه الله كل يوم هو إيجاد ما سبق به القضاء، وهذا معنى ما قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 39 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 27، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 176، ونسبه للكلبي.]]. ولما ذكر أنه كل يوم هو في شأن ذكر فراغه من ذلك بمعنى تركه فعله فقال: