الباحث القرآني

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ قال أبو عبيدة: سنحاسبكم، سنجمعكم ولم يشغله شيء تبارك وتعالى [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244، وفيه (سنحاسبكم، لم يشغله) ولم يذكر الجمع.]]، فذكر أبو عبيدة في تفسير الفراغ المحاسبة والجمع؛ لأن المعنى سنترك ذلك الشأن إلى هذا، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، هذا وجه في معنى الفراغ في صفة الله تعالى، وهذا معنى قول الكلبي: سنحاسبكم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317.]]. قال الفراء: وهذا من الله وعيد؛ لأنه لا يشغله شيء عن شيء، وأنت قائل للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت لشتمي، أي: أخذت فيه وأقبلت عليه، هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116.]]، ومعناه أنه وعيد بالمحاسبة والمجازاة. سيأخذ في ذلك. وهذا قريب من قول أبي عبيدة. وقال أبو إسحاق: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، تقول: سأتفرغ لفلان، أي سأجعل قصدي إليه، ومعنى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سنقصد لحسابكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 99.]]، وهذا قول ابن الأعرابي في الآية [[في (ك) من قوله: (وهذا قريب) إلى هنا مكرر. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 111 (فرغ).]]، واختيار أبي علي، قال: وليس الفراغ هاهنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد، كما قال جرير: الآن فَقَد فرغت إلى نمير ... فهذا حينَ صِرتُ لهم عَذَابا [[ليس البيت في "ديوان جرير". وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 168، و"اللسان" 1/ 146 (أين).]] وقال بعض أهل المعاني: ومعنى الآية: سنعمد عمد من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده. وقال ابن قتيبة: الفراغ يكون من الناس بعد شغل، ثم قد ينتقل فيصير في معنى القصد للشيء، وذلك أنه إنما يقصد الشيء إذا فرغ مما يقطعه فيسمى القصد إلى الشيء فراغًا له كما كان يحصل عن فراغ من موانعه، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال، وهذا معنى قول قتادة في هذه الآية: قد دنا من الله فراغ لخلقه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 264، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 273.]]، أي: قصد لمحاسبتهم، يريد أن الساعة قد أزفت. وأما التفسير فأكثر المفسرين ذهبوا في تفسير هذا اللفظ إلى أنه وعيد وتهديد، وهو قول مقاتل والضحاك، وابن عباس في رواية عطاء، قال: هذا تهديد منه لعباده [[انظر: "تفسير مقاتل" 135 ب، و"جامع البيان" 27/ 79، و"معالم التنزيل" 4/ 27.]]. وذهب قوم إلى أن المعنى سنوفر عليكم ما وعدناكم من الحساب والجزاء بالثواب والعقاب وننجزه لكم، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وابن كيسان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 40 أ، ب، و"معالم التنزيل" 4/ 271، و"فتح القدير" 5/ 136.]]. ويقال: فَرّغَ يَفْرَغُ وَيفْرُغُ وفَرغَ يَفْرَغُ. كل ذلك مروي عن أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 19، و"اللسان" 2/ 184 (فرغ).]]. وقراءة العامة (سنفرغ) بالنون. وقرئ بالياء على الغيبة [[(ك): من قوله (وقراءة العامة) إلى هنا مكرر. وقرأ حمزة، والنسائي، وخلف ﴿سيفرغ﴾ بفتح الياء وضم الراء. وقرأ الباقون ﴿سَنَفْرُغُ﴾ بالنون. انظر: "حجة القراءات" 692، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 248 - 249، و"النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 46.]] لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾. وقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ يريد الجن والإنس في قول الجميع. قال أهل المعاني: وإنما وصف الجنس والإنس بأنهما ثقلان لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لأداء الواجب في الحقوق [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 271، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.]]. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: العرب تقول لكل شيء نفيس مصون: ثَقَل، وأصله من بيض النعام المصون، قال ثعلبة بن صُعير المازني [[هو ثعلبة بن صغير المازني: شاعر جاهلي، وقد وقع خلط في وقت مبكر بينه والصحابي ثعلبة بن أبي صغير بن عمرو من بني عُذْرَة. انظر: "الشعر والشعراء" ص 285، و"الأمالي" 2/ 145، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 58، و"الإصابة" 1/ 406، و"الأعلام" 2/ 83.]] يذكر الظليم والنعامة: فتَذَكَّرا ثقلًا رَثيدا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يمنيها في كافِر [[ورد البيت منسوبًا في "المحتسب" 2/ 234، و"المفضليات" ص 257، و"تهذيب اللغة" 9/ 78 (ثقل)، و"اللسان" 1/ 366 (ثقل)، وأماكن أخرى من الكتاب وهي المذكورة لاحقًا. والظليم: الذكر من النعام، والجمع أظلمةُ وظُلمان وظِلمانُ، اللسان 2/ 652 (ظلم). والرثد: بالتحريك متاع البيت، و"اللسان" 1/ 1122 (رثد). وذُكاءُ (بالضم): اسم الشمس معرفة لا ينصرف ولا تدخلها الألف واللام، و"اللسان" 1/ 1073 (ذكا). والكافر هنا هو المغيب، ويحتمل أن يكون أراد الليل، "اللسان" 3/ 274 (كفر).]] ويقال للسيد العزيز: ثقل من هذا، وسمى الله -عز وجل- الجن والإنس الثقلين لتفضيله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز والعقل اللذين خُصا به، ولهذا سمى النبي -ﷺ- كتاب الله وعترته [[عترته في تحديدها خلاف، والمشهور المعروف أنهم أهل بيته، وهم الذين حرمت طيهم الزكاة والصدقة المفروضة، وهم ذوو القربى الذين لهم خمس الخمس المذكور في سورة الأنفال. "اللسان" 2/ 677 (عتر).]] الثقلين فقال: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" [[رواه الترمذي في "سننه"، باب مناقب آل البيت، وقال. هذا حديث حسن غريب.]] لفضلهما وشرفهما، وقال غيره: إنما سميا ثقلين لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتًا، وقد سمى الله تعالى الأموات أثقالا في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] يعني موتاها، ومنه قول الخنساء: أبعد ابن عمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها [[انظر: "ديوان الخنساء" ص 120، و"الخصائص" 3/ 172، و"الأغاني" 3/ 131، و"اللسان" 2/ 296 (شرد) وبنو الشَّريج بطن من سُلَيْم.]] أي موتاها أي جعلته الأرض حلية أمواتها لفضله وشرفه [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 38، و"اللسان" 1/ 366 (ثقل).]]. وروي عن الصادق أنه قال: سُميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 231، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169، و"فتح القدير" 5/ 137.]] ويدل على أن المراد بالثقلين الجن والإنس أن الله تعالى خاطبهما بعد هذا فقال: