الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع [[ظاهر العبارة غير مستقيم، وفي "الكشف والبيان" 12/ 40/ ب (ولم يقل إن استطعتما لأنهما فريقان في حال الجمع).]] واحد كما قال ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: 19] وكقوله ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النحل: 45] ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 116، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 169.]]. قوله ﴿أَنْ تَنْفُذُوا﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 436، و"اللسان" 3/ 686، و"المفردات" ص 500 (نفذ).]]. قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من جوانبها ونواحيها. واحدها قطر وقتر [[أقطارها: نواحيها، واحدها قطر، وكذلك أقتارها، واحدها قُتْرٌ. "اللسان" 3/ 114 (قطر).]]. وفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 78] ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 271، وأورده الطبري في "تفسيره" 27/ 80، وغيره عن الضحاك.]]، وهذا إخبار عن عجزهم عن النفوذ من الأقطار، وأنهم في قبضة الجبار الذي لا يفوته مطلوب أين ما كان. ومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد. القول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا من أقطارها هاربين من العقاب، فانفذوا، وهذا أمر تعجيز على القولين، والقول الثاني هو قول الكلبي والضحاك [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 317، و"معالم التنزيل" 4/ 271.]]، ويدل على صحته قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ في الخبر: "يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، وذلك قوله تعالى: