الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ " [[كذا أورده الثعلبي بدون سند، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 41 أ.]]. قال أبو عبيدة: الشواظ النار التي تأجج لا دخان فيها، وأنشد لرؤبة فقال: إن لهم من وقعنا أقياظا ... نارَ حرب تُشعر الشواظا [[لم أجد البيت في "ديوانه"، وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 244، و"جامع البيان" 27/ 81، و"اللسان" 2/ 382، (شوظ) وأقياظ جمع: قيظ، وهو حميم الصيف، وهو من طلوع النجم إلى طلوع سهيل، والمراد بالنجم هنا الثريا. "اللسان" 3/ 202، (قيظ).]] وأنشد أيضًا لحسان: هجرتك فاختضعت بذل نفسي ... بقافية تأجج كالشواظ [[انظر: "ديوان حسان" 1/ 193، وروايته: مُجَلَّلَة تُغَمّمكمْ سناراً ... مضرمةً تأجج كالشواظ وفي "سيرة ابن هشام" 1/ 382 بدل قول المؤلف (هجرتك) قال (همزتك).]] قال الليث: وهو قول جميع أهل اللغة: الشواظ اللهب الذي لا دخان معه. قال ابن شميل: ويقال لحر النار شواظ، يقال: أصابني شواظ من الشمس [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 399، و"اللسان" 2/ 382 (شوظ).]] إذا أصابك حرها ولم يصبك الضح [[كذا في (ك)، ولعلها (الفيح) وهو سطوع الحر وهيجانه.]]. وقرأ ابن كثير (وشِواظ) بكسر الشين؛ وهي قراءة الحسن [[قرأ الجمهور ﴿شُوَاظٌ﴾ بضم الشين، وقرأ ابن كثير والحسن، وابن محيصن، والأعمش بكسر الشين. انظر: "حجة القراءات" ص 692، و"النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 406.]]. قال الفراء والمبرد: وهما لغتان، كما قالوا لجماعة البقر صُوار وصِوار [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117، و"اللسان" 2/ 382 (شوظ)، 2/ 492 (حور).]]. قال أبو الحسن: وأهل مكة يكسرون الشواظ [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 249.]]، قال ابن عباس: يريد اللهب الذي لا دخان فيه، وهو قول المفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 318، و"الكشف والبيان" 41 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 271، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 171.]]، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار [[انظر: "جامع البيان" 27/ 81، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 274.]]. وقوله ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال أبو عبيدة: النحاس الدخان وأنشد للجعدي: يضيئ كضوء سراج السَّليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 244. والبيت في "ديوان النابغة" 75، و"شواهد الكشاف" ص 157، و"اللسان" 3/ 596 (نحس). والسَّلِيطُ عند عامة العرب الزيت، وعند أهل اليمن دُهْنُ السمسم. ورجح ابن منظور أنه الزيت. انظر: "اللسان" 2/ 182 (سلط).]] وقال الليث: النحاس الدخان الذي لا لهب له. وهو قول عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير، والوالبي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 81، وهو اختياره، و"الكشف والبيان" 12/ 41 ب، و"الوسيط" 4/ 223، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 274.]]. وقال مجاهد، وقتادة: النحاس الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. [[انظر: "جامع البيان" 27/ 82، عن مجاهد وقتادة وسفيان، و"الكشف والبيان" 12/ 41 ب، وزاد نسبته لقتادة، و"معالم التنزيل" 4/ 272.]] قال مقاتل: يعني الصفر الذائب، وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 41 ب.]]، وهذا القول في النحاس هو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود. قال: النحاس المهل، ونحو ذلك قال الربيع: هو القطر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 49 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 272، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 172.]]. وأكثر القراءة الرفع في قوله ﴿نحاس﴾ بالعطف على قوله (شواظ) والمعنى: يرسل عليكما شواظ ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ونحاسٍ) كسرًا [[قرأ الجمهور "ونحاسٌ" بالرفع، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وروح "ونحاسٍ". انظر: "النشر" 2/ 381، و"الإتحاف" ص 406.]]. وهو ضعيف، لأن معنى الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه على ما ذكره أهل اللغة، والمفسرون فكيف يكون شواظ من نحاس، وإن جعلنا النحاس الصفر المذاب فهو أبعد [[انظر: "حجة القراءات" ص 693.]]. قال أبو علي: وهو يجوز من وجه على أن تقدره يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس، يحذف الموصوف ويقيم الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: 24] و ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: 460] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: 159] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 10] وحذف الموصوف من هذا كله، كذلك في الآية، وقد جاء في الشعر: وما راعنا إلا يَسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به قينا يفش بكير [[البيت لمعاوية الأسدي كما في "الخصائص" 2/ 434، و"شرح المفصل" 4/ 27، و"التصريح بمضمون التوضيح" 1/ 268، و"شرح شواهد الألفية" للعيني 4/ 400. وفش الكبير هو نفخه، والكير هو زق أو جلد غليظ ذو حافات. انظر: "اللسان" 2/ 1097 (فشش)، 3/ 321 (كير).]] فإذا قدرت هذا التقدير كان الموصوف محذوفًا، والجار أيضًا يكون محذوفًا، لأن التقدير: وشيء من شواظ، وحذف من؛ لأن ذكره قد تقدم في قوله (من نار) فحسن ذلك حذفها، كما حسن حذف الجار من قولهم: على من تَنْزِلُ أنْزِلْ وكما أنشد أبو زيد: فأصبح من أسماء قيسٌ كقابض ... على الماء لا يدري بما هو قابض [[البيت للعجاج. انظر: "ديوانه" 1/ 12.]] أي: بما هو قابض عليه، فيكون انجرار ﴿نحاس﴾ على هذا بمن المضمرة لا بالإشراك في من التي جَرّت في قوله ﴿من نار﴾ وإذا كان كذلك لم يكن الشواظ الذي هو اللهب قسطًا من الدخان على أن أبا الحسن قد حكى عن بعضهم أنه قال: لا يكون الشواظ إلا من النار والدخان جميعًا، ونحو ذلك حكي عن أبي عمرو، وعلى هذا فالجر متجه وليس بممتنع [[من قوله: (قال أبو علي) إلى هنا كلام أبي علي رحمه الله. وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 250 - 252. قلت: وما قاله أبو علي كلام حسن، وفيه رد على من ضعف قراءة ابن كثير وأبي عمرو -رحمهما الله- وبيان لوجهها من الناحية اللغوية، وإذا صحت القراءة عن رسول الله -ﷺ- كما هنا فلن تعدم من يحتج لها من أهل العربية ولعل القصور في قواعد اللغة وليس في القراءة. والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا ناصر لكم من الله تعالى، وقال مقاتل [[في (ك): (مقاتلا).]]: فلا تمتنعان من ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 272.]].