الباحث القرآني

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ
وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، يعني: لا يسأل ليعرف ذلك بالمسألة، وليعرف المذنب من غيره، فلا يسأل سؤال إستفهام ولكن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا معنى قول مقاتل: لا يسأل لأن الله قد أحصى عمله [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 أ.]]، ومعنى قول الحسن قد حفظ الله عليهم أعمالهم، وهو قول قتادة، ورواية العوفي عن ابن عباس، قالوا: لا يسألون ليعرف ذلك من جهتهم، لأن الملائكة قد كتبت عليهم أعمالهم، ولا يسألون هل عملتم كذا؟ ولكن يسألون لم عملتم كذا [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 83، و"الكشف والبيان" 12/ 42 أ - ب.]]. وقال مجاهد: لا يسألون ليعرف المجرمون فإنهم يعرفون بسيماهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 83، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 174.]]، دليله قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية. وقال عكرمة: إنها مواقف يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 42 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 275.]]. وقال الكلبي: هذا الفراغ من الحساب [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 174، و"فتح القدير" 5/ 138.]]، واختار ابن قتيبة هذا القول وشرحه فقال: إن يوم القيامة كما قال الله -عز وجل- ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] ففي هذا اليوم يسألون، وفيه لا يسألون، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون فإذا انتهت المسألة وخبت الحجة انشقت السماء فكانت وردة كالدهان وانقطع الكلام، وذهب الخصام، واسودت وجوه قوم وابيضت وجوه آخرين، وعرف الفريقان بسيماهم. وقد حصل في هذا أربعة أقوال: أحدها: لا يسألون سؤال استفهام عن ذنوبهم، وهو اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 101.]]. والثاني: لا يسألون ليعفروا بذنوبهم وهو اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 117.]]. والآخر: لا يسألون في بعض المواقف. والرابع: لا يسألون بعد الفراغ من الحساب. قوله تعالى: ﴿إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، قال مقاتل: يقول إنسي ولا جني [[انظر: "روح المعاني" 27/ 114، وليس في تفسير مقاتل.]]. والجان هاهنا واحد الجن، قال ثعلب، عن عمرو، عن أبيه: الجان من الجن وجمعه جنان [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 493، و"اللسان" 1/ 516 (جنن).]]، ويدل على صحة قول مجاهد في هذه الآية.