الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ
ثم أعلم -عز وجل- ما لمن اتقاه وخافه، قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وقد ذكرنا أن المقام يجوز أن يكون مصدرًا وموضعًا عند قوله ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: 73] وهاهنا أيضا يجوز المعنيان [[في (ك): (المعنيين) المُقام والمُقامىُ: الموضع الذي تقيم فيه. والمُقامة (بالضم): الإقامة. والمَقامة (بالفتح): المجلس والجماعة من الناس. وأما المَقامُ والمُقامُ فقد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة "اللسان" 3/ 191، (قوم).]] فإن جعلته موضعًا كان المعنى مقامه بين يدي ربه للحساب، أي: المقام الذي يوقفه فيه ربه وإن جعلته مصدرًا جاز فيه وجهان، أحدهما: قيامه لربه يدل عليه قوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6]، والآخر: قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه بالعلم، ويدل عليه قوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: 33] الآية. والمفسرون على القول الأول في المقام، قال ابن عباس: يريد مقامه بين يدي ربه، خاف ذلك المقام فترك المعصية والشهوة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 320، و"معالم التنزيل" 4/ 273.]] وقال مجاهد: إذا هم بمعصية فذكر مقام الله عليه في الدنيا فتركها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 85، و"الكشف والبيان" 12/ 34 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 176.]]. وعلى هذا المقام مصدر. قوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ كلام بعض المفسرين يدل على أن كل من ترك المعصية خوفًا من الله فله جنتان على حدته لا يشاركه فيهما غيره، وكلام بعضهم يدل على أنها جنتان لكل من خاف الله تبارك وتعالى بترك المعصية على المشاركة فيهما [[انظر: "التفسير الكبير" 2/ 123، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 177.]] وهذا معنى قول مقاتل يعني جنة عدن وجنة النعيم [[انظر: "تفسير مقاتل" 136 ب.]]، ويدل على القول الأول ما روي أن النبي -ﷺ- قال في تفسير الجنتين "هما بستانان في رياض الجنة" [[أخرج ابن مردويه عن عياض بن تميم أنه سمع رسول الله -ﷺ- تلا ... وذكر نحو هذا وزيادة، وذكره القرطبي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- نحوه. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 177، و"الدر" 6/ 117، وهو المعنى المروي عن ابن عباس في "تنوير المقباس" 5/ 32.]]. قال الفراء: وقد يكون في العربية جنة واحدة فثنيت لرؤوس الآي كما قال [[البيت لخطام المجاشعي، وقيل لهيمان بن قحافة. وانظر: "الكتاب" 1/ 241، و"اللسان" 2/ 197، وفيه (بالأم) بدلا من (بالسَّمْتِ)، و"الخزانة" 1/ 367، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 10، وفي ألفاظه اختلاف. والمعنى في البيت أنه قطع المفازة على طريق وحجة لا على طريقين، وقال: قطعته، ولم يقل: قطعتهما. والسمت: السير على طريق ما لظن، وقيل: هو السير بالحدس والظن على غير الطريق. والأَمّ: القصد على طريق مستقيم. اللسان 2/ 197 (سمت)، 3/ 544 (مهمه) 1/ 101 (أمم).]]: ومَهْمَهَيِنْ فذفين مَرَّتَيْنِ ... قَطَعَّته بالأمَّ لا بالسمتين يرد مهما وسمتا واحدًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 118.]]، ويريد بالسمت اهتداء بنجم أو بعلامة. وأنكر ابن قتيبة ذلك أشد إنكار، وقال: نعوذ بالله أن نجيز على الله الزيادة والنقصان في الكلام لرأس آية كيف يكون هذا وهو يصفهما صفات الاثنين في قوله: ذواتا، وفيهما. ولو أن قائلًا قال في خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم تسعة عشر لرؤس الآي، كما قال الشاعر [[البيت من الرجز، وهو للبيد، وعجزه: ونحن خير عامر بن صعصعه وانظر: "ديوانه" ص 340، و"الأغاني" 14/ 91، و"الكتاب مع شرح شواهده" للأعلم 1/ 327، و"الخزانة" 4/ 171.]]: نحن بني أم البنين الأربعة وهم خمسة فجلهم للقافية أربعة ما كان في هذا القول إلا كالفراء [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 439 - 441. وقال النحاس: وهذا القول -أي قول الفراء- من أعظم الغلط على كتاب الله -عز وجل-، يقول الله -عز وجل- ﴿جنتان﴾ ويصفهما بقوله ﴿فِيهِمَا﴾ فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشعر. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 177.]]. ثم وصفهما فقال: