الباحث القرآني

حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ
قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ تقدم تفسير الحور [[عند تفسيره الآية (54) من سورة الدخان. والحَوَرُ: أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها ويبيض ما حواليها. وإنما قيل للنساء حور العين؛ لأنهن شبههن بالظباء والبقر. "اللسان" 1/ 750 (حور).]]، والمقصورات المحبوسات، ويجوز أن يكون محبوسات في الخيام، وهو معنى قول أبي عبيدة: خدرن [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، ومعناه: سترن في الخيام. والخدرُ سِتْرٌ يمد للجارية في ناحية البيت. "اللسان" 1/ 736 (خدر).]] في الخيام، ونحوه قال مقاتل: محبوسات في الخيام [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ.]]، ويجوز أن يكون محبوسات على أزواجهن، ولا يرون غيرهم وهن في الخيام، وهذا معنى قول المفسرين: قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى سواهم، ذكره الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 120.]]. وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 644، و"جامع البيان" 27/ 92، 93.]]. والخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية [[انظر: "اللسان" 1/ 933 (خيم)، و"فتح القدير" 5/ 143.]]، ذكره ابن السكيت. وقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 607، و"اللسان" 1/ 933 (خيم). والثُّمامُ: شجر واحدته ثمامة وثمة، وهو نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص. "اللسان" 1/ 375 (ثمم).]]، ومنه قول النابغة: فلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ... على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ ويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: [[وصدر البيت: فلما وردن الماء زرقاً جمامه انظر: "الديوان" 78، و"اللسان" 1/ 993 (خيم).]] وَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ هذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246.]]: والهوادج أيضًا خيام وأنشد للبيد فقال: شاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ... فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها [[البيت ورد في معلقة لبيد. انظر: "شرح المعلقات السبع" للزوزني 75.]] وأما خيام الجنة فقال المفسرون: إنها من در مجوف، قال عطاء عن ابن عباس: يريد خيام الدر والياقوت والزبرجد، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، الخيمة ما بين بصرى إلى صنعاء [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 267، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وأبي الأحوص. انظر: "جامع البيان" 27/ 93، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 28.]]. وروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب [["صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: حور مقصورات في الخيام، 6/ 182، و"صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب (33). "مسند أحمد" 3/ 103.]]. وروي عن النبي -ﷺ- "والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" [[انتهى كلام صاحب النظم ولم أجده فيما اطلعت عليه، وكتابه مفقود كما تقدم بيانه.]]. قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 5]. قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: 7]، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (¬4). وأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط، والواحدة رفرفة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 190، و"فتح القدير" 5/ 143.]]، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 171، و"اللسان" 1/ 12 (رفف).]]، وأنشد قول مقبل فقال: وإنا لنزالون تغشى فعالنا ... سواقط من أصناف ربط ورفزف [[لم أجده عند أبي عبيدة. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.]] وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 105.]] واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا، لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي -ﷺ- "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" [[انظر: " النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 242) رفرف).]]. قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط [[انظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" 1/ 1200 (رف، رفف).]]، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه [[هو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، وهم من زعم أن له صحبة. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 89.]]، عن ابن عباس، قال في قوله: