الباحث القرآني

مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ
﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19. والمحبس: المقرمة: يعني الستر، وهي التي تبسط على وجه الفراش للنوم، و"اللسان" 1/ 551 (حبس).]] وهو قول الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"الوسيط" 4/ 23، و"الجامع" للقرطبي 17/ 19.]]. قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، وفيه: هي البسط. أهل المدينة يقولون: هي البسط.]]. قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 327، و"جامع البيان" 27/ 94، و"معالم التنزيل" 4/ 978، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 19.]] وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246. وقوله: (أرض يوشَّى فيها) هو ما ذكر أن عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريباً. قالوا: عبقري. ومنه عبقري للبسط التي فيها الأصباغ والنقوش وشيت بها. اللسان (عبقر).]]. وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي -ﷺ- حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" [[جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، 5/ 13، ومسلم في "صحيحه"، كتاب: فضائل الصحابة (19)، وأحمد في "المسند" 2/ 28، 39.]]. قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 246، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر). والبجت في "ديوان زهير" ص 103، و"المحتسب" 2/ 306.]]: يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ... جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد [[وصدره: غُلِبَ تَشَذو بالذَّخُولِ كانَّها ومعناه: أنهم رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا بسبب الأحقاد التي بينهم. ثم شبههم بجن هذا الموضع (البدّي) في ثباتهم في الخصام والجدل. وانظر: "ديوانه" ص 177، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 90 ، و"الإنصاف" ص 772، و"الخزانة" 4/ 157.]]: جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها وقال آخر يصف المرأة: جنية أو لها جن يعلِّمُها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل [[انظر: "اللسان" 2/ 672، (عبقر) ، و"الجامع" للقرطبي 17/ 192.]]، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله -ﷺ- في صفة عمر (عبقريًّا). وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278، و"المفردات" (عبقر)، و"اللسان" 2/ 672 (عبقر).]]. فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ يريد البسط والطنافس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 12/ 49 أولم ينسبه لقائل.]]، وقال الكلي: هي الطنافس المخملة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 323.]]. وقال قتادة: هي عتاق الزرابي [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 278.]]، وهو قول سعيد بن جبير [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"تفسير مجاهد" 2/ 644، ومعنى "عتاق الزرابي" أي كرام الوسائد.]]. وقال مجاهد: الديباج الغليظ [[انظر: "جامع البيان" 27/ 95، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 192.]]. وعبقري هاهنا: جمع، واحده عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ فجمع وأما قراءة من قرأ عباقري حسان وهي تروى عن عاصم الجحدري [[هو عاصم بن أبي الصباح الجحدري الضري، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قثه عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم، والحسن، ويحيى بن يعمر، وقراءته في الكامل والإفصاح فيها مناكير، ولا يثبت سندها، والسند إليه صحيح في قراءة يعقوب من قراءة على سلام عنه، مات قبل الثلاثين ومائة. انظر: "غاية الرواية" 1/ 349.]] ورويت أيضًا مرفوعة [[انظر: "المحتسب" 2/ 305 "مختصر ابن خالويه" ص 15، و"الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 191، و"البحر المحيط" 8/ 199.]]، قال أبو عبيدة: وهذا وجه لا إسناد له ولا أراه محفوظًا ولو كان له أصل لكان على ترك الإجراء؛ لأنه وجه الإعراب [[قال النحاس: (وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحت لكانت وعَبَقريَّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية، وهذا غلط بين عند جميع النحويين؛ لأنهم قد أجمعوا جميعًا أنه يقال: رجل مَدَائني، بالصرف. انظر: "إعراب القرآن" 3/ 317، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 19.]]. قال أبو إسحاق: هذه القراءة لا مخرج لها في العربية لأن كل جمع بعد ألفه حرفان لم ينسب إليه نحو مساجد، ومجاوز الثلاثة لا تجمع بياء النسب لو جمعت عبقريًا كان جمعه عباقرة كما أنك [[في (ك): (أنكر).]] لو جمعت مهلبيا، مهالبة ولم يقل مَهَالبي [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 104 - 105.]]. وقال المبرد: أخطأ القاسم في "عباقري" أنه لو كان له وجه لكان ترك الإجراء وجه الإعراب، لأن ياء النسب تجعله كالواحد كقولك مدائني فينصرف؛ لأنه يصير إلى الواحد ويزول عنه بناء الجمع، ومن نسب إلى عباقر وهو جمع لم يجز إلا عبقري كالنسب إلى مساجد مسجدي، وإلى الفرائض فرضي، وإن كان اسما لواحد قلت عباقري فتصرفه، كما تقول في كلاب [[كذا في (ك)، ولعلها (كلاب كلابي).]]، وفي المدائني مدائني لأنه اسم لواحد، ولو نسب إلى جماعة الكلاب قيل كلبي. ثم ختم السورة بما ينبغي أن يمجد به ويعظم فقال، قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: