الباحث القرآني

لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ الكاذبة هاهنا مصدر بمعنى الكذب، كالخائنة، واللاغية، والخاطئة، والعافية، والعاقبة، عند أكثر أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 121، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 318 - 319.]] ، والمعنى: ليس لها كذب، أي أنها تقع صدقًا وحقًا فليس فيها ولا الإخبار عن وقوعها كذب. وقال بعض أهل المعاني: يجوز أن تكون الكاذبة صفة والموصوف محذوفًا، على تقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة أي أن كل ما أخبر الله من أحكامها وقضاياها صادقة غير كاذبة، ويجوز أن يكون التقدير ليس لوقعتها نفس كاذبة [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195، و"البحر المحيط" 8/ 203.]] أي أن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها. وأما الكسائي والفراء والزجاج فإنهم جعلوا الكاذبة هاهنا بمعنى التكذيب وفسروها بالرد، قال الكسائي: كاذبة تكذيب، وزاد الفراء: المكذوبة بمعنى التكذيب، وحكاها عن أبي ثروان [[أبو ثروان العكلي من الأعراب الذين شايعوا الكسائي على سيبويه في المسألة الزنبورية المعروفة، تعلم في البادية، وأكثر الفراء من الرواية عنه. له كتاب "خلق الفرس"، و"معاني الشعر". انظر: "طبقات الزبيدي" ص 71، و"معجم الأدباء" 7/ 148، و"همع الهوامع" 1/ 210، وانظر: "تهذيب اللغة" 10/ 167 (كذب).]]. وقال أبو إسحاق: كاذبة أي لا يردها شيء، كما تقول حملة فلان لا تكذب، أي لا يرد حملته شيء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 121، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 107، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]]، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: ليس لوقعتها رادة، وقال الكلبي عنه مردودة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 329، وفيه (راد ولا خلف ولا مثنوية). وانظر: "جامع البيان" 27/ 96، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]]. والردة هاهنا بمعنى المصدر، أي: رد، وعلى هذا القول يجب أن تكون (الكاذبة) بمعنى التكذيب ويكون التكذيب بمعنى الرد، ولم أر الفاعلة في مصادر التفعيل ولا الكذب بمعنى الرد لغيرهم فالله أعلم. ويكون كذب بمعنى ارتد وولى، يقال: ما كذب عن قرنه أي ما جبن ولا رجع. ومنه قول زهير: [[انظر: "ديوان زهير" ص 54، و"شرح المفصل" 1/ 61، و"المنصف" 3/ 121، وقوله "بعثر" هي موضع في اليمن. وقيل: هي أرض مأسدة بناحية تبالة، و"اللسان" 2/ 684 (عثر).]] ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذَّب عن أقرانه صدقا فإن صحت الكاذبة بهذا المعنى كان تفسير ليس لوقعتها ارتداد، وهذا قول قتادة ومقاتل. قالا: ليس لوقعتها مثنوية ولا ارتداد [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"الطبري" 27/ 96.]].