الباحث القرآني

فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ
وما بعدها ظاهر إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وقرئ شرب بضم الشين [[قرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر: ﴿شُرْبَ﴾ بضم الشين، والباقون بفتحها. انظر: "حجة القراءات" ص 696، و"النشر" 2/ 383، و"الإتحاف" ص 408.]] فقال الزجاج: الشَّرب المصدر، والشُّرب الاسم، قال: وقد قيل: إن الشرب أيضًا المصدر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 113.]]. واختار أبو عبيد الفتح، وادعى أنه لغة النبي -ﷺ- حين قال لأيام التشريق: "إنها أيام أكل وشَرب" [["صحيح مسلم": كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق 2/ 800، و"مسند أحمد" 4/ 152.]]. قال المبرد: هذا كلام هائل لا يجترأ عليه إلا باليقين، وأكثر الرواية "أكل وشُرب" بالضم، والضم والفتح معروفان عند أهل اللغة أما الفتح فهو على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى في ذلك واحد، تقول شغل شَغلا والاسم شُغلِ، وضعف ضَعفًا والاسم الضُعف وكذلك الفَقر والفُقر [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 702 - 703، و"الحجة" للقراء السبعة 6/ 260، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 335 - 339، و"تهذيب اللغة" 11/ 352 (شرب).]]. وأما ﴿الْهِيمِ﴾ فأكثر المفسرين على أنه الإبل العطاش، وهو قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 649، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 272، و"جامع البيان" 27/ 113. وروى ابن عباس وعكرمة والضحاك، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 295.]]، ومنهم من ذكر السبب في عطشها، قال عكرمة: هي الإبل المراض ألا تراها تمص الماء مصًا ولا تروى [[انظر: "جامع البيان" 13/ 127، و"معالم التنزيل" 4/ 286.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: هي الإبل التي بها الهيام لا تروى [[انظر: "الوسيط" 4/ 236.]]، وقال في رواية أبي صالح: يعني شرب الإبل الظماء [[في (ك): (العظماء) والصواب ما أثبته.]] إذا أخذها الداء فلا تكاد تروى [[انظر: "جامع البيان" 27/ 113.]]، ونحو هذا ذكر مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]]. قال الفراء: الهيم الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها أهيم [[في (ك): (الهيم) والصواب ما أثبته.]] والأنثى هيماء، قال: ومن العرب من يقول هائم، والأنثى هائمة، ثم يجمعونه على هيم كما قالوا: عائط [[العائط: هي التي لم تحمل سنين من غير عقم.]]، وعوط [[كذا في (ك). وفي "معاني القرآن" للفراء 3/ 128، وفي "اللسان" (هيم) عن الفراء: (عيط) وكلاهما صواب. قال في "اللسان" 2/ 929 (عوط) قال الكسائي: إذا لم تحمل الناقة أول سنة يطرقها الفحل فهي عائط وحائل، فإذا لم تحمل السنة المقبلة أيضًا فهي عائط عُوط وعوطط، زاد الجوهري: عائط عيط.]]، وحائل وحول، إلا أن الضمة تركت في هيم لئلا تصير الياء واوًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 128.]]. وقال شمر في حديث ابن عمر رضي الله: (إن رجلاً باع منه إبلاً هيما) [[هذا جزء من حديث رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب: البيوع، باب: شراء الإبل الهيم أو الأجرب 3/ 82 وفيه: (فجاءه، فقال: إن شريكي باعك إبلاً هيمًا ولم يعرفك ..) الحديث.]] قال شمر: قال بعضهم: الهيم العطاش الظِّماء، ويقال هي المراض التي تمص الماء مصًّا ولا تروى. قال الأصمعي: الهيام داء شبيه بالحمى تسخن عليها جلودها يعني الإبل وقيل إنها لا تروى إذا كانت كذلك [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 467، و"اللسان" 3/ 858 (هيم).]]، وهو في قول لبيد [["ديوانه" ص 185.]]: أجزت على معازفها بشعثٍ ... وأطلاحٍ من المهري هيم وقال الضحاك والكلبي: الهيم السهلة من الرملة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 338، و"جامع البيان" 27/ 113، و"تفسير ابن عيينة" ص 333، و"معالم النزيل" 4/ 286، وزاد نسبته لابن عيينة.]]، وهو قول ابن عباس في رواية عمرو بن في ينار: قال يعني هيام الأرض [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 215، و"روح المعاني" 27/ 146.]]. قال الليث: الهيام من الرمل ما كان ترابًا دقاقًا يابسًا، ومنه قول لبيد: بعجوب أنقاءٍ يميل هيامها [[انظر: "ديوانه" ص 172، و"تهذيب اللغة" 6/ 467، و"اللسان" 3/ 858 (هيم)، و"المنصف" 3/ 52، و"شرح المعلقات" للزوزني ص 84، والبيت ورد في معلقة لبيد وصدره: تجتاف أصلاً قالصًا متنبذًا ومعناه أن البقر يستتر من البرد والمطر بأغصان الشجر ولا تقيها البرد والمطر لتقلصها، وتنهال كثبان الرمل عليها مع ذلك.]] قال مقاتل: يلقى على أهل النار العطش فيشربون كشرب الهيم.