الباحث القرآني

إِنَّا لَمُغْرَمُونَ
قوله تعالي: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال الزجاج وغيره: أي وتقولون: إنا لمغرمون فحذف القول، ومعنى المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض [[قاله الضحاك وابن كيسان. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 220، و"فتح القدير" 5/ 157.]]. قال أبو إسحاق: يقولون إنا قد غرمنا وذهب زرعنا [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 114.]] يعني: غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب في غير عوض هذا الذي ذكرنا هو الأصل. قال أبو عبيدة والفراء: لمعذبون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 251، و"معاني القرآن" 3/ 129.]]، وهو قول ابن عباس وقتادة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 339، و"جامع البيان" 27/ 115، وهو اختيار ابن جرير.]] ، وهذا معنى كأنهم ذهبوا إلى أنهم عذبوا بذهاب أموالهم. وقال عكرمة ومجاهد ومقاتل: لمولع بنا [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ، و"جامع البيان" 27/ 115.]]، والمعنى لمولع بنا الشر من قولهم: أغرم فلان بفلانة إذا أولع بها، ومنه الغرام وهو الشر اللازم وقد تقدم تفسيره [[عند تفسيره الآية (65) من سورة الفرقان. ومما قال: والغَرامُ: اللازمُ من العذاب، والشرُّ الدائم، والبلاءُ والحبُّ والعشق وما لا يستطاع أن يتفصَّى منه، ويروى أن الغريم إنما سمي غريمًا لأنه يطلب حقه ويلح حتى يقتضيه، فمعنى غرامًا ملحًا دائمًا. وانظر: "اللسان" 2/ 981 (غرم).]]. ويدل على القول الأول [[وهو قول الضحاك وابن كيسان والزجاج.]] قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع. وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ قال الكسائي: أوْرَيْتُ النار وقد ورَتْ ووَرِيَتْ [[انظر: "اللسان" 3/ 916 (وري).]]. وقال أبو إسحاق: ورَى الزَّندُ يَرِيَ فهو وارٍ إذا انقدحت منه النار، وأوريت النار إذا قدحتها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 115.]]، وقال الكلبي والمبرد: أورى القادح إذا أتى بالنار. قال الأعشى [["ديوانه" ص 84، وروايته: == ولو رُمت في ليلة قادحًا ... حصاة بنبع لأوْريت نارا]]: ولو بتَّ تقدحُ في ظلمةٍ ... صفاةً بنبعٍ لأوريت نارا يقول أنت ميمون الطائر فلو التمست الشيء من حيث لا يوجد لوجدته. قال أبو عبيدة: تورون: تستخرجون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.]]. وقال الكلبي: تقدحون [[انظر:"تنوير المقباس" 5/ 339.]]. وقال مقاتل: توقدون [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]]. قوله تعالى: (شَجَرَتَهَا) قال المفسرون: يعني التي تقدح منها وهي المرخ والعفار [[قال الأزهري: وهما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوّى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها. "تهذيب اللغة" 2/ 351 (عفر).]]. قال المبرد: وهما شجرتان يوريان النار وهما رطبان، ولذلك قال الأعشى [[الديوان ص 84، وروايته: زنادك خير زناد الملوك ... خالط منهن مرخ عفارا "الخزانة" 7/ 250.]]: وزندك خير زناد الملوك ... صادف منهنَّ مرخًا عفارًا وتقول العرب للرجل إذا كان معاملته سهلاً غير ملتوٍ ولا مماطلٍ: أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ [[انظر: "اللسان" 3/ 463 (مرخ) ونسب تفسير المثل لابن الأعرابي.]]. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن [[انظر: "الوسيط" 4/ 238، و"معالم التنزيل" 4/ 288، و"فتح القدير" 5/ 158.]]. وقال الكلبي: عظة في الدنيا من نار جهنم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 340.]]، وقال عكرمة، ومجاهد ومقاتل: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 651، و"تفسير مقاتل" 139 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 288.]]. قال أبو إسحاق: أي إذا رآها الرائي ذكر جهنم وما يخافه من العذاب فذكر الله عز وجل واستجار به منها [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 115.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج: المقوي الذي ينزل بالقواء وهي الأرض الخالية [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 129، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 115.]]، وكل من نزل بها من مسافر مار أو مقيم بها فهو مقو. قال الليث: أقوَى القومُ إذا وقعوا في قيً من الأرض [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 369 (قوى).]]. قال ابن عباس: يريد ينتفع بها أهل البوادي والأسفار [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 340، و"الوسيط" 4/ 238.]]. وقال الكلبي: منفعة للمسافرين النازلين في الأرض القيّ [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 288، و"فتح القدير" 5/ 158.]]. وقال مقاتل: يقول: ومنافع لمن كان بأرض في ومنهم الأعراب [[انظر: "تفسير مقاتل" 139 أ.]]، ونحو هذا قال الحسن والضحاك [[انظر: "جامع البيان" 27/ 116، و"معالم التنزيل" 4/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 221.]]. وعلى هذا القول خص المسافر بالانتفاع بها؛ لأن منفعته بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أن أهل البوادي لابد [[في (ك): (بدل).]] لهم من النار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم. وقال أبو عبيدة: المقوي الذي لا زاد معه ولا مال، وهذا من قولهم أقوت الدار، أي: خلت [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 252.]]، فالمقوي الخالي من الزاد. وهذا قول الربيع، والسدي. قالا: يعني المرملين المقترين الذين لا زاد معهم فهؤلاء يوقدون النار ويشتون بها لحوم الصيد ولابد لهم منها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 222.]]. وفي المقوين قول ثالث، وهو قول عكرمة، ومجاهد، قالا: للمقوين أي للمستمتعين بها من الناس أجمعين [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 651، و"جامع البيان" 27/ 116.]] المسافرين والحاضرين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 222. قال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 297: وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الجميع محتاجون إليها للطبخ، والاصطلاء، والإضاءة، وغير ذلك من المنافع.]]. وعلى هذا المقوي من الأضداد. ويقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، وللغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، ذكر ذلك قطرب وغيره [[انظر: "الأضداد" لقطرب ص 92، و"الأضداد" للأصمعي والسجستاني 4، 124، 279، 638، و"معالم التنزيل" 4/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 222، ورواه ثعلب عن ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 369 (قوى).]]. والمعنى ومتاعًا للأغنياء والفقراء وذلك أنه لا غني بأحد عنها. قال أبو إسحاق: ذكر الله عز وجل في هذه السورة ما يدل على توحيده وما أنعم به عليهم من خلقهم وتغذيتهم مما يأكلون ويشربون، ثم قال: