الباحث القرآني

لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله (لا يمسه) تعود إلى الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ. والمطهرون هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وباذان، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والضحاك، والكلبي، وقتادة، ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 652، و"تفسير مقاتل" 139 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 273، و"جامع البيان" 27/ 118 - 119.]]، قالوا: المطهرون الملائكة طهروا من الشرك والذنوب والأحداث والنجاسات، فالذي في السماء لا يمسه إلا المطهرون، وأما كتابنا فيمسه الطاهر وغير الطاهر، وهو اختيار الفراء والزجاج، قالا: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 130، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 116.]]. والمعنى على هذا القول أن النسخة التي في السماء من القرآن مكنون مصون لا يصل إليه أحد، ولا يمسه إلا الملائكة الذين وصفوا بالطهارة، ومذهب الفقهاء [[قال الجصاص: (إن حمل اللفظ - أي قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ على حقيقة الخبر == فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي -وإن كان في صورة الخبر- كان عمومًا فينا وهذا أولى ..) "أحكام القرآن" 3/ 416، وانظر: "سنن سعيد بن منصور" 2/ 346.]] في هذه الآية أن الضمير في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ) يعود إلى القرآن، والمراد بالقرآن المصحف لقوله -ﷺ-: "نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب: الجهاد، باب: السفر بالمصاحف إلى أرض العدو 4/ 68، ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار 3/ 1490، وأبو داود في "سننه"، كتاب: الجهاد، باب: في المصحف يسافر به إلى أرض العدو 2/ 495، وأحمد في "المسند" 2/ 6 ولفظ البخاري: " ... عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو".]]. يعني المصحف، والمراد بقوله: (الْمُطَهَّرُونَ) أي من الأحداث والجنابات، وقالوا: قوله: (لا يَمَسُّهُ) خبر في معنى النهي ومنعوا بهذه الآية الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وإن كان بعلاّقة أو في غلاف، وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاووس، وسالم، والقاسم، وعبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم، وسفيان، ومذهب مالك، والشافعي [[قال ابن قدامة: (ولا يمس المصحف إلا طاهر، يعني طاهرًا من الحدثين جميعًا. روى عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس ...) ولا نعلم مخالفًا لهم إلا داود، أي الظاهري، قال: ويجوز حمله بعلاقته، وهذا قول أبي حنيفة، وروى ذلك عن الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبي وائل، والحكم، وحماد. ومنع منه الأوزاعي، ومالك، والشافعي. انظر: "المدونة" 1/ 107، و"المغني" 1/ 202 - 203، و"المحلى" 1/ 81 - 84. قلت: وبهذا يتبين أن الواحدي -رحمه الله- عمم القول بمنع حمله بعلاقة مع أن منهم من جوز ذلك والله أعلم.]].