الباحث القرآني

وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عباس وجماعة المفسرين: تجعلون شكركم أنكم تكذبون بنعمة الله عليكم فتقولون سقينا بنوء كذا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 119، و"معالم التنزيل" 4/ 290. روى البخاري في كتاب: الاستسقاء: باب قول الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ 2/ 41، قال ابن عباس: شكركم. ورواه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 299، و"تفسير ابن عباس ومروياته" للحميدي 2/ 863 - 864.]]. قال أبو إسحاق: كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبون السقيا إلى الله عز وجل فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم التكذيب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 116.]]. وقال أبو علي الفارسي: أي وتجعلون رزقكم الذي رزقكموه أي شكر رزقكم -فحذف المضاف- أن تكذبوا بذلك الرزق أنه من الله وأن تنسبوه إلى غيره فتقولوا مطرنا بنوء كذا. ويجوز أن يكون المعنى أن تكذبوا بما جاء به التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا﴾ [ق: 9] إلى قوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: 11]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)﴾ [البقرة: 22] فذكر أنه أنزل الماء ورزق به العباد الثمار، فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد كذب برزق الله وكذب بما جاء به القرآن [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 264 - 265.]]. والمعنى: أتجعلون بدل الشكر التكذيب. وروي عن عاصم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ خفيفة [[وهي قراءة المفضل عن عاصم، ويحيى بن وثاب، (تَكْذبون) خفيفة منصوبة التاء. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 264، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 230.]] أي تنسبون هذا الرزق إلى غير الله، وقال الأزهري: معنى الآية وتجعلون شكر [[(ك): (شكر) ساقطة من (ك)، وزيادتها من "تهذيب اللغة".]] رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزق، وتجعلون الرزق من عند غير الله [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 430 (رزق).]]، وذلك كفر، فأما من جعل الرزق من عند الله وجعل النجم وقتًا وقته الله للغيث، ولم يجعله المغيث الرزق رجوت أن لا يكون مكذبًا، والله أعلم. وقال ابن إسحاق في بعض أماليه: من قال مطرنا بنوء كذا ومراده أنا مطرنا في وقت طلوع نجم كذا ولم يقصد إلى فعل النجم فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه استسقى بالمصلى ثم نادى العباس: كم [[كذا في (ك) وصوابها: (فقال: يا عباس يا عم رسول الله -ﷺ-: كم ...).]] بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فوالله ما مضت تلك السبعة حتى غيث الناس [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 120، وذكره القرطبي في "جامعه" 17/ 230، وابن كثير في "تفسيره" 4/ 299.]]. وإنما أراد عمر: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر. هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين [[قال ابن كثير: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده. ومما نقل القرطبي في "تفسيره" 17/ 229: عن الشافعي -رحمه الله- قوله: لا أحب أحدًا أن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئًا من المطر، والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا كما نقول: مطرنا شهر كذا.]]. وقال الحسن: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 273، و"جامع البيان" 27/ 120.]].