الباحث القرآني

تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قوله تعالى: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي تردون تلك النفس التي بلغت الحلقوم. قال الفراء: وأجيب ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ و ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ﴾ بجواب واحد، وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، قال: ومثله قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38]، أجيبتا بجواب واحد وهما جزاءان [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 130.]]. وقال صاحب النظم: قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب لقوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ المتقدمة والمتأخرة على تأويل: فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم ترجعونها أي تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يقوم بذلك، فهلَّا تردون نفسًا ممن يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فلم لا يدلكم ذلك على أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل [[انظر: "الوسيط" 4/ 241 - 242، و"معالم التنزيل" 4/ 291، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 232.]]. وقال أبو إسحاق: معناه هلا ترجعون الروح إن كنتم غير مدينين، أي: غير مملوكين مدبَّرين ليس لكم في الحياة والموت قدرة، فهلا إن كنتم كما زعمتم في مثل قولكم الذي جاء في القرآن: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 156] أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 117.]]. ولما دل بما ذكر على أنهم محاسبون ومجزيون ومملوكون، ذكر طبقات الخلق عند الموت والحشرجة.