الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال: يعني فتح مكة في قول جميعهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 239، وزاد مع الشعبي الزهري.]] ، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل والسابقة من أنفق من ماله وقاتل العدو من قبل فتح مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.]]. قال الكلبي في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله ﷺ في سبيل الله [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 469، و "الوسيط" 4/ 245، و"معالم التنزيل" 4/ 294، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240.]]. قال ابن عمر: كنت قاعدًا عند النبي -ﷺ- وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فخلّها [[خلها: أي جمع بين طرفيها بعود أو حديد. النهاية (خلل).]] في صدره بخلال فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة فخلها في صدره؟ فقال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 62 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 469، و"معالم التنزيل" 4/ 295، و"ابن كثير" 4/ 307، كلهم ذكروا بيان أطول من هذا، وتعقبه ابن كثير بقوله: هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه، وذكره ابن الجوزي في ترجمة أبي بكر عن ابن عمر بدون سند، و"صفة الصفوة" 1/ 249 - 250.]]. ولأنه -رضي الله عنه- كان أيضًا أول من قاتل على الإسلام فقد روى زر عن ابن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي -ﷺ- وأبو بكر رضي الله عنه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 295، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240، و"لباب التأويل" 7/ 32.]]. قال صاحب النظم: قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ يقتضي نقيضًا كما قال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: 20] ولم يجيء هاهنا النقيض الذي يقابل من أنفق فلما قال ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ دل على هذا النقيض؛ لأن نقيضه من أنفقوا من بعد وقاتلوا [[انظر: "التفسيرالكبير" 29/ 218، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 240، و"فتح القدير" 5/ 168.]]. قال عطاء: يريد درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها [[انظر: "الوسيط" 4/ 246، و"معالم التنزيل" 4/ 295.]]، وقال مقاتل بن حبان: يقول كانت نفقتهم وجهادهم مع النبي -ﷺ- أعظم أجرًا ودرجات من درجات من أنفق وقاتل بعد الفتح فتح مكة [[انظر: "فتح القدير" 5/ 168.]]. قال أبو إسحاق: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 123.]]. قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ قال مقاتل بن سليمان: يقول وكلا الفريقين وعد الله الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.]]. والقراء في النصب في ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ لأنه بمنزلة زيدًا وعدت خيرًا فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر "وكل" بالرفع [[قرأ ابن عامر "وكل" وقرأ الباقون بالنصب انظر: "حجة القراءات" ص 698، و"النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 409.]]، وحجته أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله فيه قوته إذا تأخر، ألا ترى أنهم قد قالوا في الشعر [[قوله: (في الشعر) زيادة لا فائدة منها.]]: زيدٌ ضربتُ، ومما جاء في ذلك الشعر [["البيت" لأبي النجم. انظر: "الخزانة" 1/ 173، و"الخصائص" 1/ 292، و"شرح أبيات المغني" 4/ 24.]]: قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ وتدَّعي ... عليَّ ذنْبًا كُلُهُ لم أصْنّعِ فرووا (كُلُ) بالرفع لتقدمه على الفعل، وإن لم يكن شيء يمنع من تسلّط الفعل عليه فكذلك ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ويكون على إرادة الهاء وحذفها كما تحذف من الصلاتِ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] والصفات ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48]. ومثل ذلك قول جرير [[انظر: "ديوان جرير" 1/ 89، و"شرح أبيات المغني" ص 741، "شرح شواهد سيبويه" 1/ 45، و"مغني اللبيب" ص 503، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 25، و"شرح شواهد الألفية" 4/ 75.]]: أبحتَ حمى تهامةَ بعد نجدٍ ... وما شيءٌ حميتَ بمُستباحِ أي حميته [[من قوله: "وحجته أن الفعل" إلى هنا من كلام أبي علي الفارسي. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 266 - 267.]].