الباحث القرآني

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقال: أَنَى لك يَأْني أَنًى، وآن لك يئين أيْناَ إذا حان [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 125، و"اللسان" 1/ 122 (أني).]]. روى الثوري عن الأعمش قال: لما قدموا المدينة أصأبوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت في ذلك ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ الآية [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 276، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 89، وابن المنذر، و"الدر" 6/ 175.]]. ونحو هذا قال القرظي، قال: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الريف ففتروا عما كانوا عليه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 أ - ب.]]. وقال ابن أبي رواد: إن أصحاب النبي -ﷺ- ظهر فيهم المزاح والضحك فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف". انظر: "الدر" 6/ 175، و"فتح القدير" 5/ 174.]]. قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين [[أخرجه مسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 121، و"تفسير القرآن العظيم " 4/ 31.]]. وقال مقاتل بن حيان: إنها حين نزلت قال النبي -ﷺ-: "إن الله يستبطئكم بالخشوع" فقالوا عند ذلك يعتب ربنا. [[ذكره القرطبي في "تفسيره" بدون سند، وفي "تفسير الثعلبي" 12/ 165 أعن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وأورده ابن المبارك في "الزهد" ص 89 عنه.]] والمعنى: أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله. قال ابن عباس: يريد لمواعظ الله، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل أي "لذكر الله" وعظهم وما يعتبرون به ويستدلون به على الخشوع وهو ما ذكر الله لهم من مواعظ القرآن، ويجوز أن يكون الذكر مضافاً إلى المفعول والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر. قال أبو إسحاق هذه الآية -والله أعلم- نزلت في طائفة من المؤمنين حُثُّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفه الله جل وعز بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"لباب التأويل" 7/ 35، و"الوسيط" 4/ 25.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزله [[في (ك): (نزل).]] من الحق وقراءة العامة بالتشديد [[قرأ الجمهور، وأبو بكر عن عاصم ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ بتشديد الزاي، وقرأ نافع والمفضل وحفص عن عاصم بتخفيفها. انظر: "النشر" 2/ 384، و"الإتحاف" ص 41.]] لكثرة ما جاء في القرآن من ذكر التنزيل. قال أبو عبيدة: وكذلك هي عندنا على التشديد لذكر الله جل ثناؤه قبل ذلك [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 274، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 359.]]. والمعنى أنه هو نزل الحق. قال المبرد: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد؛ لأن الحق لا ينزل إلا بأن ينزله الله عز وجل فهو معلوم أن الله عز وجل أنزله وإن لم يذكر باللفظ ويدل على صحة قراءة من ضعف قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [[من الآية (105) من سورة الإسراء. وانظر: المراجع السابقة. قال النحاس: وليس يقع في هذا اختيار، ولو جاز أن يقال الذي مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل؛ لأن مثله ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: لتذكير الله.]]. قال ابن عباس والمفسرون: في قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآن [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 297، و"فتح القدير" 5/ 172.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ هو قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم وألا يكونوا. قال: ولو كان جزماً على النهي كان صوابًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.]]، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء [[وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق، ورويس، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وغيرهم.== انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249، و"البحر المحيط" 8/ 223، و"روح المعاني" 27/ 181.]]. قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ قال ابن عباس: يريد الدهر، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"الوسيط" 4/ 255، و"معالم التنزيل" 4/ 297.]]. والمعنى: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد حب الدنيا أي مالوا إليها وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى [[انظر: "الوسيط" 4/ 250، و"لباب التأويل" 7/ 35.]]، ويجوز أن يكون المراد بطول الأمد أن أعمارهم طالت في الغفلة فأورثهم ذلك القسوة [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 229، و"فتح القدير" 5/ 173.]]. ويكون المعنى على هذا: طال عليهم أمد الجزاء وأمد آجالهم. وقال ابن حيان: الأمد [[في (ك): (الأحد) والتصويب من "التفسير الكبير".]] هاهنا الأمل [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 230.]] البعيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]]، والمعنى على هذا: طال عليهم الأمد بطول الأمل أي أملوا بعيدًا فقست قلوبهم. وقال هو ومقاتل بن سليمان: يعني طال عليهم أمد خروج النبي -ﷺ- فقست قلوبهم حتى أحدثوا الأحداث [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 66 ب، و"الوسيط" 4/ 250، و"التفسير الكبير" 29/ 23.]] يعني الذين كانوا قبل خروج النبي -ﷺ- والمعنى: أنه نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرطبي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا في طول صحبته الكتاب [[انظر: "جامع البيان" 27/ 132، و"الكشف والبيان" 13/ 66 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 31.]]. قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد -ﷺ- هذا الذي ذكرنا في هذه الآية هو قول عامة المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 64 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 297، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 249.]]. وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان نزلت في المنافقين [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]] وعلى هذا معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي باللسان في العلانية. قال مقاتل: كان المنافقون لا ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن فلم يَلِن له إلا القليل منهم وهم الذين صدقوا وكثير منهم فاسقون [[المرجع السابق.]].