الباحث القرآني

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد، وقال: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 133، و"معالم التزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 17.]]، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: {هُمُ الصِّدِّيقُونَ} أي الموحدون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 359، و"التفسير الكبير" 29/ 231.]]. الثاني: أن الآية خاصة وهو قول المقاتلين، قال ابن سليمان: هم الذين لم يشكوا في الرسل ساعة حين أخبروهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]]. وقال ابن حيان: هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوهم ساعة قط مثل حديث آل ياسين ومؤمن آل فرعون وأبي بكر الصديق [[انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"التفسير الكبير" 29/ 231، و"فتح القدير" 5/ 173، وأبو بكر الصديق هو خليفة رسول الله -ﷺ- توفي سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة. انظر: "الإصابة" 11/ 40، و"العبر" 1/ 13، و"صفة الصفوة" 1/ 235.]]، هذا كلامه وهو مذهب الضحاك في هذه الآية، قال: هم ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر رضي الله عنهم ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 67 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 298، و"زاد المسير" 8/ 170، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 254.]]. ومن قال بالطريقة الأولى قال: قوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ عطف على الآية الأولى. والمعنى: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء. قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"التفسير الكبير" 29/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 312.]]. وقال الضحاك: الشهداء هم الصديقون، وكانوا كلهم شهداء [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 68 أ.]]. يعني الذين ذكرهم بأسمائهم. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (والشهداء) نسقًا على ما قبله، فيكون المعنى: أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء عند ربهم، ويكون ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ للجماعة من الصديقين والشهداء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 126 - 127.]]. وعند قوم من المفسرين هذه الآية مستأنفة. قال مسروق: هذه للشهداء خاصة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 133.]]، وقال مقاتل بن سليمان ثم استأنف للشهداء يعني من استشهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 141 ب.]]. وقال مقاتل بن حيان: الآية الأولى مفصولة ثم ذكر الشهداء وهم الأنبياء والرسل [[انظر: "الوسيط" 4/ 251، و"معالم التنزيل" 4/ 298.]] واختار محمد بن جرير هذا القول قال: لأن الإيمان غير موجب اسم شهيد إلا أن يراد أنه شهيد على ما آمن به فيكون وجهًا وذلك ليس بمعروف من معانيه إذا أطلق، والتأويل والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عند ربهم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 133 - 134.]]. وقال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم قال ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني النبيين ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ورفعت ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ بقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 135، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 126.]] في هذا الوجه سواء فالشهداء في قول مقاتل بن سليمان، وابن جرير من استشهد في سبيل الله، وفي قول ابن حيان، والفراء، والزجاج: الأنبياء.