الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية، آراء المتأخرين من أهل التفسير يفسرون الحياة الدنيا بما في هذه الدار الفانية من العروض والأموال التي تسمى الدنيا وهي لا تسمى الحياة، والحياة الدنيا الحياة في هذه الدار، وللآدمي حياتان، الحياة الدنيا، وهي حياته في هذه الدار، وحياته الثانية: حياته في الآخرة، أعلم الله تعالى أن الحياة الفانية ما هي وهو يريد حياة من لا تكون حياته في طاعته؛ لأن من كانت حياته في طاعة الله لا تكون حياته لعبًا ولهوًا. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد ما كان لغير الله فهو باطل وغرور [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.]]. وإنما جعلها لعبًا ولهوًا: لأنها تنقضي عن قريب، ولأنها إذا كانت في غير الطاعة فهي باطل وغرور. قاله ابن عباس. قوله تعالى: ﴿وَزِينَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يتزين الناس بما لا يحب الله ولا يرضى [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 5/ 255.]]. والمعنى أن الكافر يستغل حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة فحياته زينة على معنى أنه يذهبها في الزينة، والزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به، والكافر لا همة له في حياته إلا ما يزينه في دنياه، وهذا كما قيل: حياتك بالغرور سهو وغفلة، أي أنك تذهبها فيهما لا أنها هما بعينهما. وكذلك قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يعني أنكم تشتغلون في حياتكم بالتفاخر. قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.]]. ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال ابن عباس: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"التفسير الكبير" 29/ 233.]]. ثم بين لهذه الحياة شبيهًا فقال ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ يعني المطر والكاف موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وما ذكر بعدهما. والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.]]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [الكهف: 45] الآية. وقد بينا الكلام فيها قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني الزراع، عن عبد الله ومجاهد [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 233، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313.]]. قال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يكْفُرُ البَذْرَ الذي يبذره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي الزُّرَّاعَ، وإذا أعجب الزراع نباتة مع علمهم به فهو غاية ما يُسْتَحْسَنُ، قال: وقيل الكفار في هذه الآية الكفار باللهِ وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين هذا كلامه [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 199 (كفر).]] وأكثره من قول أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.]]. وقوله: ﴿نَبَاتُهُ﴾ أي ما ينبت من ذلك الغيث وباقي الآية مفسر في سورة الزمر [[عند "تفسيره" الآية (21) من سورة الزمر.]]. قال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا ورغب في العمل للآخرة وهي صفة حياة الكافر وحياة من يشتغل باللهو واللعب وما ذكر بعدهما، وهي خطاب للكافر وتحذير للمؤمنين عن مثل حياتهم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ فختم بذكر العذاب، والمعنى: فعذاب شديد لمن كانت حياته بهذه الصفة. قال مقاتل: عذاب شديد لأعداء الله ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ لأوليائه وأهل طاعته [[انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 298.]]. وقاله ابن عباس. قال الزجاج: معناه: مغفرة لأولياء الله، وعذاب لأعدائه [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 127.]]. وقال الفراء: ذكر ما في الدنيا وأنه على ما وصف، ثم قال: وأما الآخرة فإنها إما عذاب وإما جنة [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 135.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يعني لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، وهو معنى قول مقاتل، أي: لمن اغتر بها يتمتعون ثم يذهب [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 234، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 256.]]. وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور هو ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 298، و"لباب التأويل" 7/ 36، و"فتح القدير" 5/ 175.]].