الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
قوله تعالى: [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.]] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي والمقاتلان: المصيبة في الأرض قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار وغلاء السعر وتتابع الجوع، وقالوا في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المصيبة في الأنفس: النبلاء والأمراض، وذهاب الولد، وإقامة الحدود عليها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 362، و"تفسبر مقاتل" 142 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.]]. وقال الشعبي: المصيبة ما يكون من خير وشر، وما يسوء وشر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 237، و"روح المعاني" 27/ 186.]]، وهو اختيار الزجاج، قال: أو كسب خير أو شر فمكتوب عند الله معلوم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 128.]]، وهو قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قالوا: يعني اللوح المحفوظ. وذكر أن سعيد بن جبير لما انطلق به إلى الحجاج بكى رجل، فقال ما يبكيك: قال: الذي نزل بك من الأمر قال: فلا تبك فإنه كان سبق في علم الله أن يكون هذا ثم قرأ هذه الآية [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.]]. قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل ضربين أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفًا، والآخر: أن يكون وصفًا، فإن جعلته ظرفًا احتمل أن يكون ظرفًا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة ويؤكد كونه ظرفًا ويحسنه دخول لا في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فصار ذلك مثل: ما ضرب من رجل ولا امرأة. الوجه الثاني: أن يكون صفة للنكرة، وقوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ صفة معطوفة على صفة، وإذا كان كذلك احتمل موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ضربين: أحدهما: أن يكون جرًا على لفظ قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ والآخر: أن يكون رفعًا على موضع ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾. فإن قلتَ: فما وجه دخول (لا) في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟ فالقول فيه: أنه لما كان معطوفًا على ما هو منفي في المعنى وإن لم يكن منفيًا في اللفظ جاز أن يحمل الكلام على المعنى فيدخل فيه لا؛ لأن قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لمنفي [[في (ك): (ملنفى) ولعل صوابها (لمنفى).]] فأجريته مجرى المنفي فاستجزت العطف عليه بلا، والحمل على المعنى في النفي قد جاء في غير شيء من كلامهم ألا ترى أنهم قد قالوا: إن أحدًا لا يقول إلا زيد لما كان في المعنى منفيًا. وإن شئت قلت: إن (لا) زائدة وقد ذكرنا زيادتها في غير موضع [[انظر: "الدر المصون" 1/ 251.]]. قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قال ابن عباس: من قبل أن أخلق خلقي [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 237، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 313، و"فتح القدير" 5/ 176، ولم ينسب القول لقائل.]]. وقال الكلبي والمقاتلان: من قبل أن أخلق الأنفس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 363، و"تفسير مقاتل" 142 أ.]]. وعلى هذا الضمير في نبرأها للأنفس وهو اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 136.]]. وذكر أيضًا الضمير للأرض والأنفس جميعًا [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"التفسير الكبير" 29/ 237.]]، وعن ابن عباس أيضًا أنها للمصيبة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 69 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 237، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 257.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: إن حفظ ذلك على الله هين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 299، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 314.]]. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11] والمعنى أن إثبات ذلك على كثرته يسير هين على الله.