الباحث القرآني

وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم، إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قال ابن عباس يريد الحواريين وأتباعهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 262.]]. ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 30.]]: يعني المودة كانوا متوادين بعضهم لبعض كما وصف الله تعالى أصحاب محمد -ﷺ- بقوله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ هي اسم مبني من الرهبة، وقد مضى الكلام في تفسير الرهبان [[الآية (40) من سورة البقرة. رهب، يرهب، رهبًا: أي خاف، والراهب: المتعبد في الصومعة. وأصل الرهبانية من الرهبة ثم صارت اسمًا لما فضل عن المقدار وأفرط فيه. "اللسان" 1/ 1237 (رهب).]]، قال أبو إسحاق: وابتدعوا رهبانية كما تقول: رأيت زيدًا وعمرًا كلمته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.]]. وقال أبو علي: قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ محمول على فعل، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا [[في (ك): (جعلها).]] مع وصفه إياها، بقوله: ابتدعوها؛ لأن ما يجعله هو -عَزَّ وَجَلَّ- لا يتبدعونه هم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 245، و"فتح القدير" 5/ 178.]]. ومعنى ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو معنى قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"الوسيط" 4/ 254، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263، ونسبه لابن زيد.]]. ومعنى رهبانيتهم غلوهم في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح، والتعبد في الغيران والكهوف والديارات والصوامع، وسبب ذلك على ما قال المفسرون: أن ملوكهم بدلوا غيروا وأحدثوا أحداثًا في دينه وقاتلوهم الذين بقوا على دينهم، فقتل منهم الكثير ولم يبق إلا نفر قليل، فذهب هؤلاء النفر وخرجوا إلى البراري والجبال متبتلين، وابتدعوا الرهبانية [[انظر: "جامع البيان" 27/ 138، سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب: تأويل قوله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و"معالم التنزيل" 4/ 103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 315 - 316.]]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد طلبوا رضي الله [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 29/ 246.]]. وقال قتادة: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 276، و"جامع البيان" 27/ 138.]]، وعلى هذا يكون التقدير: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فيكون استثناء منقطعًا. وقال أبو إسحاق: ويكون ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ بدلاً من الهاء والألف [[من الهاء والألف في (كتبناها).]]، فيكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به [[في (ك): (أمره).]] [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 13.]]، هذا كلامه. ومعناه على هذا أن الابتغاء بدل من الضمير في كتبناها، كما تقول: ما رأيت القوم إلا زيدًا، والمعنى: ما كتبنا الرهبانية عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وهو أن يطلبوا رضاه باتباع أمره [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 363.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم الله ووصفهم بتصنع الرهبانية وترك رعايتها هم قوم كفروا بدين عيسى وتهودوا وتنصروا من هؤلاء الذين أحدثوا الرهبانية ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وهو قول مقاتل، قال: لم يرعوها ولا أحسنوا حين تهودوا وتنصروا فأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدًا -ﷺ- فآمنوا به، فهو قوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين تهودوا وتنصروا [[انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 246.]]. ونحو هذا روى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: "منهم من تمسك بدينه وهم الذين قال الله ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ومنهم من كفر، وهو قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [[هذا الحديث ذكره المؤلف بالمعنى، وهو حديث طويل أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، سودة الحديد. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: قلت ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقًا فإن شيخه منكر الحديث. == قال البخاري: وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم 1/ 35، وقال عنه محققه: إسناده ضعيف جدًّا، ورجاله ثقات غير عقيل الجعدي، فإنه ضعيف جدًّا كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث. قال: والحديث أخرجه الطبراني في الصغير والكبير والحاكم في "صحيحه"، ورده الذهبي بالجعدي، لكن للحديث في كبير الطبراني إسناد آخر عن ابن مسعود خير من هذا.]] وهذا قول الضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس [[انظر: "الكشف والببان" 12/ 71 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 301، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 263.]]. القول الثاني: أن الذين لم يرعوها حق رعايتهم [[كذا في (ك)، ولعل الصواب (رعايتها).]] الذين أدركوا محمدًا -ﷺ- ولم يؤمنوا به [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.]]. قوله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي آمنوا بمحمد -ﷺ-، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين لم يؤمنوا به، يدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" [[جزء من الحديث السابق، وقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 71 ب، وفي سنده: عقيل الجعدي أيضًا.]]. القول الثالث: أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرض على ذلك طائفة منهم، وخلف بعدهم قوم اقتدوا بهم ولم يكونوا على منهاجهم، فهم الذين لم يرعوها حق رعايتها وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد [[انظر: "جامع البيان" 27/ 138.]]، وعطاء. قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون وأتباعهم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 246.]]. وقال سعيد: ابتدعها [[كذا في (ك) ولعل الصواب (ابتدعها).]] الصالحون فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يعني الذين ابتدعوها ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين جاؤا من بعدهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 3012، غرائب القرآن 27/ 141.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.