الباحث القرآني

أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 146 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 82 أ، و"لوسيط" 4/ 266.]]. وروى ليث عن مجاهد قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي [[(قبلي) ساقطة من (ك).]] ولا يعمل بها أحد بعدي: آية النجوى، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي -ﷺ- فكنت كلما ناجيت النبي -ﷺ- قدمت بين يدي نجواي درهمًا، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 660، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 280، و"جامع البيان" 28/ 15، "المستدرك" 2/ 482، و"أسباب النزول" للواحدي ص 476.]]. ونحو هذا قال ابن جريج، والكلبي، وعطاء عن ابن عباس أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا علي تصدق بدينار، ثم نزلت الرخصة [[انظر: "معالم التزيل" 4/ 310، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 236، و"التفسير الكبير" 29/ 271.]]، قالوا: وما كانت إلا ساعة من النهار حتى نسخت. وهو قول الكلبي [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 280 وزاد نسبته لقتادة، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 428، و"الكشف والبيان" 13/ 82 ب.]]. وقال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 82 ب، وفي "جامع القرطبي" 17/ 303، نسبه لابن عباس وعلي بن أبي طالب، و"نواسخ القرآن" ص 236، و"التفسير الكبير" 29/ 271، و"الدر" 6/ 185، ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.]]، ولم تقدر هذه الصدقة بشيء. وشاور النبي -ﷺ- في تقديرها عليًّا؟ قال: قال لي: كم ترى؟ ديناراً. قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت آية النسخ [[أخرجه الترمذي في "سننه"، كتاب: التفسير، سورة المجادلة، وحسنه، و"جامع البيان" 28/ 15، و"نواسخ القرآن" ص 235.]]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني للفقراء، وهذا يدل علي أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوًّا عنه. وأجمعوا على أن هذه الآية منسوخة الحكم بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ قال ابن عباس: أبخلتم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 311، و"الجامع" 17/ 33.]]، وقال مقاتل: أشق عليكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 146 أ، و "تفسير مجاهد" 2/ 660، و"جامع البيان" 28/ 16، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 380، ونسبوه لمجاهد.]]، والمعنى: أخفتم العيلة أن قدمتم بين يدي نجواكم صدقات، وهذا خطاب للأغنياء، لأن من لم يجد لا يقال له هذا. ونسخت الزكاة الصدقة التي كانت عند المناجاة، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 146 أ، و"نواسخ القرآن" ص 236، ونسبه لابن عباس، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 142. قلت: مراد المؤلف -رحمه الله- من نسخ صدقة المناجاة بالزكاة أي أن قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية بكاملها نسخت الآية السابقة عليها، فعاد المسلمون إلى مناجاة النبي -ﷺ- من غير تقديم شيء، وهو المجمع عليه من المفسرين -رحمه الله- والله أعلم.]]. واحتج قوم من الأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل الفعل [[انظر: "البرهان في علوم القرآن" 3/ 320، و"المستصفى" ص 425.]]، ولأصحابنا فيه قولان، والصحيح أنه يجوز، ومن احتج بهذه الآية ضعف ما روي أن عليًا عمل بهذا الحكم قبل النسخ، واحتج بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ قال: وهذا دليل أن أحدًا منهم لم يتصدق بشيء [[انظر: "نواسخ القرآن" لمكي بن أبي طالب ص 325.]].