الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
ثم ذم الظهار والمظاهر فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا، وذكرنا القراءات واللغات في (تظاهرون) في ابتداء سورة الأحزاب [[عند تفسيره الآية (4) من سورة الأحزاب. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ﴿تَظَاهِرُونَ﴾ بفتح التاء وتشديد الهاء والظاء، بلا ألف، وكذا هنا في المجادلة، وقرأ عاصم بضم التاء، وفتح الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مخففة. وقرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر، وخلف، وأبو جعفر بفتح الياء وتشديد الظاء بعدها ألف مع فتح الهاء مخففة. وفي لأحزاب قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بفتح التاء، والهاء، وتخفيف الظاء، وألف بعدها. وقرأ ابن عامر في الأحزاب بضم التاء، وتشديد الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مع تخفيفها. "حجة القراءات" ص 703، و"النشر" 2/ 347، و"الإتحاف" ص 353.]]. قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾. قال أبو إسحاق: المعنى: ما اللواتي يجعلن من الزوجات كالأمهات بأمهات [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 134.]]. وقراءة العامة: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعني: ليس هن بأمهاتهم، فلما ألقيت الباء نصبت، وهي لغة الحجاز كقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31]، قال الفراء: أهل نجد إذا ألقوا الباء رفعوا فقالوا: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وأنشد: ويزعم حسل أنه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 139، و"الإنصاف في مسائل الخلاف" 2/ 694، ولم أجد البيت منسوبًا لقائل، والشاهد في قوله: وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل فإنه أهمل (ما)، فلم يرفع بها الاسم وينصب الخبر على لغة تميم.]] وبهذه اللغة قرأ المفضل بن عاصم فرفع الأمهات [[انظر: "الكشاف" 4/ 71، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 279، و"البحر المحيط" 8/ 232، وذكر أبو زرعة وجه قراءة الرفع دون ذكر خلاف في القراءة. انظر: "حجة القراءات": 370.]]، وهو لغة تميم. قال سيبويه: وهو أقيس الوجهين، وذلك أن النفي كالاستفهام، فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه في الواجب، فكذلك ينبغي أن لا يغيره النفي عما كان عليه في الواجب، وأما النصب فهو لغة أهل الحجاز، والأخذ بلغتهم في التنزيل أولى [[انظر: "الكتاب" 1/ 29، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 279.]]، ووجهه أن (ما) يدخل على الابتداء والخبر كما أن (ليس) تدخل عليهما، و (ما) تنفي ما في الحال كما أن (ليس) تنفي ما في الحال، وقد رأيت الشبهين إذا قاما في شيء من شيء جذباه إلى حكم ما فيه الشبهان منه، فمن ذلك جميع ما لا ينصرف مع كثرته واختلاف قوته لما حصل فيه شبهان من الفعل صار بمنزلة في امتناع الجر والتنوين منه فكذلك (ما) لما حصل فيه الشبهان من ليس وجب على هذا أن يكون في حكمها وتعمل عملها [[انظر: "الحجة" للقراء السبعة 6/ 277، و"معاني الحروف" لأبي الحسن الرماني ص 88.]]. قوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ مضى الكلام في: ﴿اللَّائِي﴾ في سورة الأحزاب عند قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ الآية [[من الآية (4) من سورة الأحزاب، حيث قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف (اللائي) بإثبات ياء ساكنة بغير الهمزة. وقرأ الباقون (اللاي) بغير مد ولا همز. انظر: "حجة القراءات" ص 571، و"النشر" 1/ 404، و"الإتحاف" ص 412.]]. والمعنى: ما أمهاتهم إلا الوالدات ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني المظاهرين ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال ابن عباس: فظيعًا [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 279، ولم ينسبه لقائل. وفي "تنوير المقباس" 6/ 6، قال: (قبيحًا).]]. وقال مقاتل: لا يعرف ذلك في الشرع ﴿وَزُورًا﴾ كذبًا [["تفسير مقاتل" 144 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 278، و"معالم التنزيل" 4/ 304، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 279.]]. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ عفا عنهم وغفر لهم بجعله الكفارة عليهم.