الباحث القرآني

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، (الذين) رفع بالابتداء، وخبرهم: فعليهم تحرير رقبة، ولم يذكر عليهم لأن [[في (ك): (لأنه) والصواب ما أثبته.]] في الكلام دليلاً عليه. قاله الزجاج، وقال: وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 134.]]. وقوله: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ معناه: يمتنعون منهن بهذا اللفظ، أي من جماعهن، وقد ذكرنا أن هذا مأخوذ من لفظ: الظهر [[عند تفسيره الآية (4) من سورة الأحزاب. وانظر: "المفردات" ص 318 (ظهر) ، و"اللسان" 2/ 659 (ظهر).]]. قال صاحب النظم: ليس قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. مأخوذًا من الظهر الذي هو عضو من الجسد، لأنه لو كان المراد بهذا القول الظهر بعينه لم يكن الظهر أولى من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعة والتلذذ، والظهر هاهنا مأخوذ من العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: 97]، أي يعلوه، وكل من علا شيئًا فقد ظهره، وبه سمي المركوب ظهرًا، لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل ظهره، لأنه يعلوها بذلك البضع وإن لم يكن من ناحية الظهر، وكأن امرأة الرجل للرجل مركب وظهر، ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي، أي: طلقتها، وفي قولهم: أنت عليّ كظهر أمي حذف وإضمار؛ لأن تأويله: ظهرك عليّ، أي: ملكي إياك وعلوي حرام كما علوي أمي وملكها حرام عليّ [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 251، و"غرائب القرآن" 29/ 8.]]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أكثر الاختلاف في معنى العود المذكور هاهنا، فمذهب الشافعي -رحمه الله- أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه، وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق، فقد جرى على ما ابتدأه من إيقاع التحريم وأتمه، ولا كفارة عليه، وإذا سكت عن الطلاق فذلك للندم منه على ما ابتدأ به من التحريم فهو عود إلى ما كان عليه، فحينئذٍ تجب عليه الكفارة [[انظر: "الأم" 5/ 265، و"المجموع" 17/ 361، "الفقه على المذاهب الأربعة" 4/ 507، و"نيل الأوطار" 6/ 222.]]، ويدل على هذا أن ابن عباس -رحمه الله- فسر العود في هذه الآية بالندم، فقال في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يريد يندمون فيرجعون إلى الألفة والرجعة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 305، و"روح المعاني" 28/ 7.]]. وقال الفراء: يعودون لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا. معناه: يرجعون عما قالوا، قال: ويجوز في العربية أن تقود: عاد لما فعل، أي: فعله مرة أخري، ويجوز عاد لما فعل. أي: نقض ما فعل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 139.]]. وهذا الذي قاله الفراء يبين صحة ما ذهب إليه الشافعي، لأن المعنى عنده: ثم يعودون لما قالوا بالنقض، وهو السكوت عن الطلاق، وعلى هذا ﴿مَا قَالُوا﴾ لفظ الظهار، ويجوز أن يكون معنى ﴿مَا قَالُوا﴾ المقول فيه. والمقول فيه هو النساء، وما قالوا والمقالة والقول واحد في المعنى. و (ما) هاهنا للمصدر والمفعول يسمى بالمصدر كثيرًا كقولهم: ضرب الأمير، ونسج اليمن. هذا الذي ذكرنا بيان مذهب الشافعي في هذه الآية [[انظر: "الأم" 5/ 265، وما بعدها، و"المجموع" 17/ 362.]]. وقال قتادة: فمن حرمها ثم يريد أن يعود لها يطأها ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [[انظر: "جامع البيان" 28/ 7، و"الكشف والببان" 12/ 77 أ.]] وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. قالوا: معنى العود: هو العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها ونوى أن يغشاها كان عودًا ويلزمه الكفارة [[انظر: "البحر الرائق" 4/ 97، و"تبيبن الحقائق شرح كنوز الدقائق" 3/ 3، و"أحكام القرآن" لابن العربي 4/ 1752.]]. وقال مقاتل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يعني الذي حرموا من الجماع [[لم أجده عن مقاتل.]]. وهو قول الحسن. ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ قال: الغشيان في الفرج، ونحو ذلك قال طاووس، والزهري. قالا: الوطء، وإلى هذا ذهب مالك. فقال: إن وطئها كان عودًا [[انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 418، و"المغني" 11/ 73، و"المحلى" 10/ 51، قال صح ذلك عن طاوس وقتادة، والحسن، والزهري، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 280، و"الفروع" لابن مفلح 5/ 494.]]. قال أصحابنا: العود المذكور هاهنا صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما [[(كما) ساقطة من (ك).]] قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 257.]]، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فيجب تعليق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر [[وقال الإمام أحمد: العود الغشيان إذ أراد أن يغشى كفر. "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" 2/ 396، والعود عند مالك هو العزم على الوطء.]]. وقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا [[انظر: "جامع البيان" 28/ 7، و"الكشف" 12/ 77 أ، و"الجامع" 17/ 28.]]، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر، فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يدل على إعادة لفظ الظهار مرة أخرى [[انظر: "المحلى" 10/ 51 - 52، و"المغني" 11/ 74، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 416.]]. قال أبو علي الفارسي: وليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود على ضربين: أحدهما: أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل فتركه ثم صار إليه. والآخر: أن يصير إلى شيء وان لم يكن على ذلك قبل. وكأن هذا الوجع غمض عليهم، وهذا عند من خوطب بالقرآن، كالوجه الأول في الظهور. وفي أنهم يعرفونه كما يعرفون ذلك، فمن ذلك قول الهذلي [[هو: أبو خراش، واسمه خويلد بن مرة، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام شيخًا كبيرًا فأسلم، وحسن إسلامه، ويعد من أبرز شعراء هذيل، ومات في زمن عمر بن الخطاب؟ متأئرًا بنهشة حية. انظر: "الشعر والشعراء" 2/ 633، و"الأغاني" 21/ 204، و"الخزانة" 1/ 211، و"الإصابة" 2/ 364، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 156، والبيت في "ديوان الهذليين" 2/ 150، وروايته (العدل) بدلاً من (الحق) "المسائل الحلبيات" ص 24.]]: وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئًا فاستراح العواذل معناه: وصار، وكذلك قول العجاج: ويصحبني حتى كاد ... يعود بعد أعظم أعوادًا وقال امرئ القيس: وماء كون الزيت قد عاد آجنًا ... قليل به الأصوات ذي كلإ مخلي [[انظر: "الديوان": 413، و"الخزانة" 5/ 121، و"تهذيب اللغة" 7/ 31.]] وسميت الآخرة المعاد ولم يكن فيها أحد، ثم صار إليها. وهذا إذا تتبع كثير جدًّا [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 722.]]. قال أبو إسحاق -وذكر هذا المذهب فقال-: قال بعض الناس: لا تجب الكفارة حتى يقول ثانية: أنصت عليّ كظهر أمي، وهذا قول من لا يدري اللغة، وهو خلاف قول أهل العلم أجمعين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 135.]]، هذا الذي ذكرنا مذهب المفسرين والفقهاء. وأما أهل المعاني فإن أبا الحسن الأخفش قال: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 705، وذِكرُ المؤلف له هنا بالمعنى.]]. أي: فعليهم تحرير رقبة لما قالوا، أي: لما نطقوا به من ذكر التحريم الموجب الامتناع من الوطء إلا بعد التكفير، والجار في قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم. وقوله: ﴿يَعُودُونَ﴾ أي: إلى نسائهم، يعني: إلى وطئهن الذي كانوا حرموه على أنفسهم بالظهار منهن، وأما التقديم والتأخير الذي قدره في الآية فهو كثير جدًا كقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ [النمل: 28] الآية. والمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. هذا قول الأخفش. وشرحه أبو علي [[انظر: "شرح الأبيات المشكلة الأعراب" لأبي علي الفارسي 1/ 100 - 102.]]. قال أبو إسحاق: وهذا مذهب حسن [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 135.]]، وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار [[في (ك): (الظاهر).]] يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ هو أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية فقال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} يريد في الجاهلية ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ في الإسلام يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 456 - 457.]] ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ م﴾ وهذا القول هو اختيار صاحب النظم، وشرحه فقال: المعنى: والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام ثم يعودون في الإسلام لمثل هذا القول فيظاهرون من نسائهم. ثم ذكر ما أوجب في ذلك في الإسلام من الحكم، والعرب تضمر كان كقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] أي: ما كانت تتلو الشياطين فأضمر كانت [[وبه قال الثوري -رحمه الله- ذكره الرازي في "تفسيره" 29/ 257، ثم قال: وهذا القول ضعيف، لأنه تعالى ذكر الظهار، وذكر العود بعده بكلمة (ثم) وهذا يقتضي أن يكون المراد من العود شيئًا غير الظهار، فإن قالوا: المراد والذين كانوا يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام والعرب تضمر لفظ كاند .. قلنا: الإضمار خلاف الأصل. وانظر: "غرائب القرآن" 28/ 13.]]. قوله تعالى ﴿لِمَا قَالُوا﴾ قال الأخفش: لما قالوا، وإلى ما قالوا واحد، يقال: عدت إلى ذاك، وعدت لذاك [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 139، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 373، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 282، وليس في "معاني القرآن" للأخفش.]]، قال أبو علي: إلى واللام يتعاقبان [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 256، و"غرائب القرآن" 28/ 11.]] كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43] وقال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 23] وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5]. وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ﴾ [هود: 36]. قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قالوا أراد رقبة مؤمنة؛ لأنه قيد في كفارة القتل [[وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92].]] وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد ويفسر به [[وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 435، و"المغني" 11/ 81، و"الأم" 5/ 266.]]. قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ أي: يجامعا، وذكر الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [[عند تفسيره الآية (237) من سورة البقرة. وانظر: "المفردات" ص 467 ، و"اللسان" 3/ 483 (مس).]] فلا يجوز للمظاهر أن يطأها قبل التكفير، وإنما قيل ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ لأن المراد به الزوجان، فعاد الكلام إليهما؛ لأن الجماع بينهما، والظهار يختص به الرجال، فأخبر عن الرجال أولاً، فلما انتهى الكلام إلى ذكر المسببين عاد إلى الزوجين لما ذكرنا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى ذلك التغليظ في الكفارة توعظون به [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 135.]]. أي: تؤمرون به من الكفارة ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من التكفير وتركه ﴿خَبِيرٌ﴾.