الباحث القرآني

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قد ذكر أن النجوى مصدر عند قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [[عند تفسيره الآية (114) من سورة النساء. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.]]. ويجوز أن يوصف به كما يقال: قوم نجوى، ومنه قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47]، والمعنى هم ذوو نجوى فحذف المضاف وكذلك كل مصدر وصف به. فأما قوله: ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ قال أبو علي: يحتمل جر ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ أمرين: أحدهما: أن يكون مجرورًا بإضافة ﴿نَجْوَى﴾ إليه كأنه ما يكون من سرار ثلاثةٍ، ويجوز أن يكون ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ جرًا على الصفة على قياس قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [[انظر: "الحجة" 6/ 279، و"مثسكل إعراب القرآن" 2/ 723، و"الكشاف" 4/ 74.]] وهذا معنى قول الفراء: ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ إن شئت خفضتها على أنها من نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 140، و"اللسان" 3/ 593 (نجا).]]، وبيانه أن النجوى إن جعلتها مصدرًا أضفتها إلى ثلاثة، وإن جعلتها بمعنى المتناجين جعلت (ثلاثة) صفة لها. قال أبو إسحاق: ﴿نَجْوَى﴾ مشتق من النجوة، وهي ما ترتفع وتَنَحَّى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 137.]]. والمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به. ومعنى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئًا ويتناجون به [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 29.]]. ومعنى قول المفسرين في النجوى أنها إسرار. قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبك [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 307، ولم ينسبه لقائل. ومن عبارة البغوي يتضح السقط هنا، ولعل العبارة: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي: إلا هو عالم به، وعلمه معهم لا يخفى عليه ذلك كما قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: 78]، وكقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [[من آية (7) من سورة طه. قال ابن كثير -رحمه الله-؛ (ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافد فيهم، فهو -عَزَّ وَجَلَّ- مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء)، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 322.]] والمعنى: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي يكون معهم.