الباحث القرآني

وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا [[الغِمْرُ والغَمَرُ: الحقد والغل، والجمع غُمور. وقد غَمِرَ صدرهُ عليّ بالكسر يَغْمُر غِمْرًا وغَمَرًا. "اللسان" 2/ 1015 (غمر).]] للذين آمنوا، أي: حسدًا للأنصار، وذكره الفراء [["معاني القرآن" للفراء 3/ 145، و"جامع البيان" 28/ 31، ذكراه دون نسبة لقائل.]]، والصحيح ما عليه الناس لقوله: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان [[قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 339.]]. والأكثرون أيضًا على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ عطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [[قال النحاس: وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399.]] ويؤكد هذا ما روى مالك بن أوس بن الحدثان [[مالك بن أوس بن الحدثان. قديم أدرك الجاهلية، ولكنه تأخر إسلامه، رأى أبا بكر، وروى عن عمر وعثمان. مات بالمدينة سنة (72 هـ). انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 56، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170، و"المعارف" ص 427، و"التقريب" 2/ 223.]] أن عمر بن الخطاب ذكر الفيء ثم قرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ فقرأها ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق [[مسلم في كتاب: الجهاد، باب: حكم الفيء، الترمذي رقم (1609) والنسائي 7/ 136 في قسم الفيء "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، وانظر: "موسوعة فقه عمر بن الخطاب" لمحمد رواس قلعه جي ص 532 - 533.]]. وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات. قال: وهذا نص في الكتاب بين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، 98 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 321، و"زاد المسير" 8/ 216.]]. وقال المقاتلان: قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم، وعلى قولهما: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو﴾ ابتداء، وخبره ﴿يُحِبُّونَ﴾ وكذلك ما بعده [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.]]. والأكثرون على القول الأول، وهو أن الله تعالى جعل الفيء لجميع أقسام المسلمين الثلاثة، وهو مما ذكرنا أن الفيء بعد زمان رسول الله يصرف إلى مصالح المسلمين عامة. ثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.