الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
ثم أخبر عن اليهود فقال ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم إذا اجتمعوا على قتال المؤمنين لم يبرزوا لحربهم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 148.]]. قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي لا يصحرون [[أصحر القوم إذا برزوا إلى فضاء لا يواريهم شيء. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 235، و"اللسان" 2/ 411 (صحر).]] لكم ولا يقاتلون حتى يكون بينكم وبينهم حاجز من حصن أو سور. وقراءة العامة ﴿جُدُرٍ﴾ على الجمع إذ ليس المعنى أنهم يقاتلونكم من وراء حجاب واحد، ولكن من وراء جدر، ولا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة، وكما أن القرى جماعة كذلك الجدر ينبغي أن تكون جمعًا، ومن قرأ (جدار) [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (جِدَار) بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على الأفراد. وقرأ الباقون (جُدُر) بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع. انظر: "حجة القراءات" ص 705، و"النشر" 2/ 386، و"الإتحاف" ص 413.]] فالمراد في الإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 383 - 384.]]. قوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال ابن عباس: بعضهم فظ [[الفظُّ: الخَشِنُ الكلام، وقيل: الفظ الغليظ، والفَظَظُ: خشونة في الكلام. ورجل فَظُّ: ذو فظاظةٍ جافٍ غليظُ، في مَنطئِه غِلَظٌ وخشونةٌ. "اللسان" 2/ 1111 (فظظ).]] على بعض، والمعنى أن بعضهم عدو لبعض [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 98 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 290، و"غرائب القرآن" 29/ 44.]]. وقال مجاهد ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قال: بالوعيد، يقولون لنفعلن كذا وكذا [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 29.]]، والمعنى على هذا أنهم يهددون المؤمنين ببإس شديد من وراء الحيطان والحصون، ثم يجبنون عن البروز للقتال، فبأسهم شديد فيما بينهم لا فيما بينهم وبين المؤمنين، فكان القول الأول أظهر. قال أبو إسحاق: أي أنهم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بنيات مجتمعة؛ لأن الله عز وجل ناصر حزبه، خاذل أعدائه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 148.]]، وهذا معنى قول قتادة: أهل الباطل مختلفة أهوائهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق [[انظر: "جامع البيان" 28/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 322.]]. وذهب المقاتلان، ومجاهد في رواية خصيف إلى أن هذا من صفة المنافقين واليهود، قالوا في قوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ﴾ يعني المنافقين واليهود [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 665، و"تفسير مقاتل" 148 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 322.]] ﴿جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ﴾ مختلفة. ثم بين سبب ذلك الاختلاف فقال ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك التشتت ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ما فيه الحظ لهم، ثم ضرب لليهود مثلاً: