الباحث القرآني

هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أجمعوا على أن هذا في بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا بالمدينة، غدروا بالنبي -ﷺ- بعد أن عاهدوا وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله -ﷺ- حتى رضوا بالجلاء وذلك بعد وقعة بدر بستة أشهر، قاله الزهري [[في (ك): (الأزهري). وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير 5/ 112، و"فتح الباري" 7/ 330 - 332، و"أسباب النزول" للواحدي ص 479، و"البداية والنهاية" 3/ 74.]]. وقال محمد بن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي -ﷺ- من أحد [[انظر: "تاريخ الأمم والملوك" 2/ 83، و"البداية والنهاية" 4/ 74، و"جامع البيان" 28/ 19 عن قتادة. وقال ابن حجر عن قول الزهري السابق: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه -ﷺ- أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله اعلم. "فتح الباري" 7/ 33.]]، وقد ذكر الله ذلك القصة في هذه السورة وهي تأتي على التوالي في تفسير الآيات. قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ذكر المفسرون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن جلاءهم ذلك كان أول حشر في الدنيا إلى الشام، قاله الزهري [[هذا القول عن الزهري أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عروة مرسلاً. قال البيهقي: وهو المحفوظ. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"جامع البيان" 28/ 20، و"الدر" 6/ 187.]]، وعروة، وقال عكرمة: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية، وذلك أن النبي -ﷺ- قال لهم يومئذ: "اخرجوا". فقالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر" [[أخرجه البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، انظر: "الكشف والبيان" 13/ 87 أ، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 332.]]. والمعنى على هذا القول: أنهم أجلوا إلى الشام فكان ذلك أول حشر حشروا إلى الشام يوم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام. القول الثاني: أنهم أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب، وكان ذلك أول حشر من المدينة والحشر الثاني كان من خيبر وجزيرة العرب، وهذا قول المقاتلين، ومرة الهمداني، عن ابن عباس [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 87 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 314، و"زاد المسير" 8/ 205.]]. القول الثالث: ما قال قتادة: كان ذلك أول الحشر، والحشر الثاني نارُ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وهو قول عبد الله بن عمرو [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"الكشف والبيان" 13/ 87 أ، و"زاد المسير" 8/ 204، و"التفسير الكبير" 29/ 279، ولم أجده عن غير قتادة.]]، وذكر أن تلك النار تُرى بالليل ولا ترى بالنهار [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 279. ومراد قتادة رحمه الله بالنار التي تحشر الناس ما أخرجه مسلم في كتاب الفتن، من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري وفيه (.. وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة (... وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا). انظر: "صحيح البخاري" كتاب: الرقاق، باب: الحشر. انظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب: (59)، وعند الحاكم، عن عبد الله بن عمرو رفعه: "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكبير". قال ابن حجر: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار. وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها. والمراد بقوله: "تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق .. وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب. "فتح الباري" 11/ 378 - 379 وهذه الأقوال ذكرها الآلوسي، ثم ضعف ما روي عن عكرمة، وضعف ما روي عن قتادة أيضًا، واختار أن يكون المراد بأول الحشر أن أول حشرهم إلى الشام، أو على أنهم أول محشورين من أهل الكتاب من جزية العرب إلى الشام. "روح المعاني" 28/ 39.]]. قوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ قال ابن عباس: كان أمرهم في صدور المسلمين عظيمًا [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 279.]]، والمعنى أن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم ومنعتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من الله، وهو قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: ظنوا أن حصونهم مانعة من سلطان الله، وكانوا أهل حلقة [[قال أبو عبيد: الحلقة: اسم يجمع السلاح والدروع وما أشبهها. انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 64، و"اللسان" 1/ 701 (حلق) ونسبه لابن سيده.]] وحصون منيعة، فلم يمنعهم شيء منها [[لم أجده عن ابن عباس، ولا عن غيره.]]، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: أمر الله وعذابه، وهو أنه أمر النبي -ﷺ- بقتالهم ومحاصرتهم، فكانوا لا يظنون أن ذلك يكون ولا يحتسبون ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالوا يعني بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ذكر المفسرون في تخريبهم منازلهم ثلاثة أسباب: أحدها: لما أيقنوا بالجلاء وحسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج، وهذا قول عكرمة، وقتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، و"جامع البيان" 28/ 20 عن قتادة.]]. وقال مقاتل [[في (ك): (قتادة).]]: إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا ودربُوا [[ولعلها (وردموا).]] على الأزقة وحصنُوها، فنقضوا بيوتهم يبنون بها على أفواه الأزقة ليحصنوها، وكان المسلمون إذا ظهروا على درب من دروبهم تأخر اليهود إلى وراء بيوتهم فنقبوها من أدبارها وخرب المسلمون ما ظهر عليهم من ديارهم ليتسع مجالهم للحرب، فذلك قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنهم عَرضوا لذلك. وهذا قول مقاتل عن ابن عباس. قال: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم للقتال، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله -ﷺ- [[انظر: "تفسير مقاتل" 147 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 87 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 315، و"التفسير الكبير" 29/ 28.]]. وقال محمد بن إسحاق: ذلك هدمهم عن نحف [[النجف: هو العتبة، وهو الذي يستقبل الباب من أعلى العتبة. انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 114، و"اللسان" 3/ 588 (نجف).]] أبوابهم، وهو أنهم لما صالحوا على أن يحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل كان منهم من يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره [[انظر: "جامع البيان" 28/ 21، و"البداية والنهاية" 4/ 8.]]. وهذا قول الزهري. قال: كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه، أو الباب فيهدمون بيوتهم وينتزعونها ويحملونها على الإبل [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"جامع البيان" 28/ 21، و"معالم التنزيل" 4/ 315.]]. وقراءة العامة ﴿يُخْرِبُونَ﴾ من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب [[قرأ الجمهور (يُخْربون) بالتخفيف. وقرأ أبو عمرو (يُخَرِّبون) بالتشديد، ووافقه من غير العشرة الحسن، واليزيدي. انظر: "النشر" 2/ 386، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 413.]]، وكان يقول: الإخراب أن تترك الشيء خرابًا، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 283، و"حجة القراءات" ص 705، و"الكشف والبيان" 13/ 87 ب.]]، وقال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهًا، يخربون من التخريب، فإنما هوالأصل على خرب المنزل، وأخربه صاحبه كقولك: علم وأعلمه، وقام وأقامه، وإذا قلت يخربون من التخريب فإنما هو تكثير، لأنه ذكر بيوتًا تصلح للقليل والكثير [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 28.]]، وزعم سيبويه أنها تتعاقبان في بعض الكلام فيجري كل واحد مجرى الآخر نحو فرحته وأفرحته، وأحسنه الله وحسنه، وقال الأعشى: وأخربت من أرض قومي ديارًا [["ديوان الأعشى" ص 84، و"الخزانة" 5/ 72، وصدره: أقللْتَ قوْمًا وأعمرتهم]] وقال الفراء: (يخرِّبون) بالتشديد، يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها، ألا ترى أنهم كانوا ينقبون الدار فيعطلونها، فهذا معنى يخربون [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 143.]]. قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر [[انظر: "التفسير الكبير" 29، 282.]]، وقال مقاتل: يعني يا أهل البصيرة في أمر الله [["تفسير مقاتل" 147 أ.]]. قال الفراء: ويقال يا أولي الأبصار: يا من عاين ذلك بعينه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 143.]]. ومعنى الاعتبار: النظر في أوائل الأمور وأواخرها وتدبرها ليعرف بالنظر فيها شيئًا آخر من جنسها [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 282.]]، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم فاتعظوا بذلك. وقد سبق الكلام في أصل معنى الاعتبار فيما تقدم [[انظر: "مفردات الراغب" ص 320، و"اللسان" 2/ 668 (عبر).]].