الباحث القرآني

مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ
قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: اللينة: النخلة، ما لم تكن عجوة أو برنية، وأنشد لذي الرمة: كأن قُتودي فوقَها عُشُّ طائر ... علي لينةٍ فرواء تهفو جنوبها [[والبيت في "الديوان" 2/ 699، و"تهذيب اللغة" 4/ 121، ورواية الديوان: على== لينة سوقاء تهفو جنوبها والقتودي عيدان الرحل: أي أن الناقة طويلة يصغر الرحل عليها، وسوقاء: طويلة الساق، وتهفو: تضطرب.]] قال: وأصل لينة لِوْنَةَ، فذهب الواو لكسر اللام، وجمعها الألوان وهي النخل كل ما خلا البرني والعجوة [[وهذا القول قول الزجاج. انظر:"معاني القرآن" للزجاج 5/ 144، و"تهذيب اللغة" 15/ 470، و"اللسان" 3/ 424 (لين). وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 256.]]. قال المبرد: أصل الياء في لينة الواو، بمنزلة ريح، فإذا قلت ألوان رجعت الواو لذهاب الكسرة كما تقول ريح وأرواح [["التفسير الكبير" 29/ 282.]]، قال ذو الرمة: طراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليله في ريشة يترفرف [["ديوان ذي الرمة" ص 79، و"الكتاب" 7/ 112، و"الخزانة" 4/ 21.]] ويجمع اللينة أيضًا ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس: وسالفه كسحون الليان ... أضرم فيه الغوىَّ السعر [[انظر: "الديوان" ص 315.]] ونحو هذا قال المفسرون في تفسير اللينة، الزهري، وقتادة، وجماعة قالوا: هي النخل ليس بالعجوة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، و"جامع البيان" 28/ 22، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 391، و"فتح الباري" 8/ 629، وهو قول سعيد بن جبير، ويزيد بن رومان، وعكرمة، وابن عباس.]]، والباقون قالوا: هي النخلة من غير استثناء، وهو قول مجاهد، وعطية، وابن زيد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 663، و"جامع البيان" 28/ 22، و"الكشف والبيان" 13/ 88 ب قال النحاس: وهذه الأقوال صحيحة، لأن الأصمعي حكى مثل القول الأول فيكون لجميع النخل، ويكون ما قطعوا منها مخصوصًا فتتفق الأقوال. "إعراب القرآن" 3/ 392.]]. وقال المقاتلان: هي ضرب من النخل ثمره أجود الثمر يرى نواه من ظاهره، النخلة منها أحب إليهم من وصيف [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 88 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 208.]]. قال المفسرون: لما حصر رسول الله -ﷺ- بني النضير وتحصنوا بحصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فشق ذلك على اليهود، وجزعوا، وأكثروا القول، وقالوا: أين وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض وأخذ المسلمون من ذلك دمامة [[أي: غضب مما فعلوا. "اللسان" 1/ 1015 (دمم).]]، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "جامع البيان" 28/ 23، و"أسباب النزول" للواحدي ص 481، و"معالم التنزيل" 4/ 315.]]. وروي عن ابن عباس قال: أمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا ولنسألن رسول الله -ﷺ- هل لنا فيما قطعناه من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه الترمذي (3303) كتاب: التفسير: تفسير سورة الحشر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والنسائي 6/ 483 كتاب: التفسير، و"الدر" 6/ 187.]]. قال أبو إسحاق: فأعلم الله أن ذلك بإذنه، وإليه القطع والترك جميعًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.]]. وقال قتادة: نزلت الآية لاختلاف كان بين المسلمين في قطعها وتركها. قال مجاهد: نهى بعض المسلمين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى، وتحليل من قطع [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 663، و"جامع البيان" 28/ 23.]]. قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني اليهود، قال مقاتل: كان قطع النخل ذلاً لهم وهوانًا [["تفسير مقاتل" 147 ب.]]. وقال ابن حيان: كان ذلك خزيًا لبني النضير [[لم أجده، في الأصل (يريهم).]]. وقال الزجاج ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ أن يريهم بأموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.]]، والتقدير: وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، ودل على المحذوف قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[انظر: "زاد المسير" 8/ 208.]].