الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 284.]]. وقال الأزهري: الفيء ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، وإما أن يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 578 (فاء).]] كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله -ﷺ- على أن لكل ثلاثة منهم ما وسق [[الأصل في الوسق: الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته. "اللسان" 3/ 926 (وسق).]] بعير مما شاءوا سوى السلاح ويتركوا الباقي. فهذا المال هو الفيء، وهذا مما أفاء الله على المسلمين، أي: رده ورجعه من الكفار على المسلمين. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من يهود بني النضير. قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ يقال وجف الفرس والبعير يجف وجفًا ووجيفًا ووجفانًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 213.]]. قال العجاج: ناج طواه الأين مما وجفا [[انظر: "ملحقات ديوان العجاج" ص 84، و"الكتاب مع شواهده" للأعلم 1/ 180، و"تهذيب اللغة" 4/ 78.]] وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وهما مثال الإيضاع [[انظر: "اللسان" 3/ 882، و"تفسير غريب القرآن" ص 460.]]. وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على ما أفاء الله. قوله: ﴿وَلَا رِكَابٍ﴾ الركاب الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها في لفظها [["اللسان" 1/ 1213 (ركب).]]. قال الفراء: الركاب الإبل التي تحمل القوم، وهي ركاب القوم إذا حملت وأريد العمل عليها، وهو اسم جماعة لا يفرد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 144، و"تهذيب اللغة" 10/ 219 (ركب)، ونسبه لليث.]]. قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون من رسول الله أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها [[انظر: "جامع البيان" 28/ 24، و"الكشف والبيان" 12/ 89 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 209]] بيّن أن بني النضير فيء لم يوجف المسلمون عليه خيلاً ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليها مسافة، وإنما كانوا علي ميلين من المدينة فمشوا إليهم مشيًا، ولم يركب إلا رسول الله -ﷺ- كان راكب جمل [[انظر: "تفسير مقاتل" 147 ب، و"جامع البيان" 28/ 24.]]، وكل [[في (ك): (وكان).]] مال حصل للمسلمين بهذه الصفة كان فيئًا ولم يكن غنيمة، والفرق بينهما أن الغنيمة ما أخذ بإيجاف خيل وركاب وقتال، والفيء ما أخذ بغيرها [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 149 (غنم)، 15/ 578 (فاء)، و"المغني" 9/ 283.]]. فإن قيل: أموال النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، قيل: إن الله تعالى خص نبيه بفيء بني النضير وجعل أموالهم له فيئًا فهو مخصوص بهذا [[قال السهيلي: ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله -ﷺ- وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب، وأنه لم يقع بينهم قتال أصلاً. "فتح الباري" 7/ 33. قلت: وتخصيص الرسول -ﷺ- بأموال بني النضير هو الثابت عن عمر ابن الخطاب؟ وعمن حضر مجلسه من كبار الصحابة رضوان الله عليهم. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير 5/ 113، و"فتح الباري" 4/ 337 - 335، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 12/ 71، والحديث مخرج في الكتب الستة، وغيرها.]]، وأما سائر الأئمة فليس لهم أن يحكموا في مال بحكم الفيئ إلا إذا حصل بلا إيجاف خيل ولا ركاب وبلا قتال. قال صاحب النظم: قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ ليس بعلة لصرف الفيئ عنهم، وإنما هو تعزية لهم عما صرف عنهم لئلا يأسفوا عليه بما أعلمهم أنهم لم ينفقوا فيه شيئًا، ولا لزمهم نصب ولا تعب كما يكون في الوقائع. ثم وكد ذلك بقول ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فكان في ذلك زيادة شرح لإحراز جميع الفيئ لرسوله دون أصحابه [[لم أقف عليه.]]. قال المفسرون: فجعل الله أموال بني النضير لرسوله -ﷺ- خاصة يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله -ﷺ- بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة [[أبو دجانة سماك بن أوس، بن خرشة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وأحدًا، واليمامة وقتل بها. وهو قاتل مسيلمة الكذاب مع وحشي بن حرب رضي الله عنهما. انظر: "المعارف" ص 271، و"البداية والنهاية" 6/ 337.]]، وسهل بن حنيف [[سهل بن حنيف الأوسي، حضر المشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها غير الجمل، فإنه كان قد استخلفه على المدينة، توفي سنة (38 هـ) بالكوفة، وصلى عليه علي رضي الله عنهما. انظر: "المعارف" ص 291، و"البداية والنهاية" 7/ 318.]]، والحرث [[الحارث بن الصمة، أبو سعد: آخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين صهيب بن سنان، شهد أحدًا وثبت مع الرسول -ﷺ- وشهد يوم بئر معونه، وقتل يومئذ شهيدًا في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة. انظر: "طبقات ابن سعد" 3/ 508.]] بن الصمة [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 89 ب، ذكره بغير سند، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 209. وهو المنقول عن السهيلي، واقتصر ابن إسحاق، وابن هشام، وابن سيد الناس، == وغيرهم على ذكر أبي دجانة، وسهيل بن حنيف. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، عن الزهري، وأهمل اسم الرجلين، و"تاريخ الأمم والملوك" 2/ 81، 85، و"البداية والنهاية" 4/ 76، و"روح المعاني" 28/ 45. ومن هذا ما رواه الحاكم في الإكليل، من حديث أم العلاء، قالت: قال النبي -ﷺ- للأنصار لما فتح النضير: "إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعيكتهم وفرجوا عنكم"، فاختاروا الثاني. "فتح الباري" 7/ 333.]].