الباحث القرآني

مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
ثم ذكر حكم الفيء فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي من أموال كفار أهل القرى كما رد عليه وأفاء من أموال بني النضير وقريظة [[قريظة: حي من اليهود، كانوا يسكنون المدينة، وكان بينهم وبين رسول الله -ﷺ- عهد فنقضوه، وحاصرهم -ﷺ- خمساً وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكمه. "سيرة ابن هشام" 3/ 247.]]، وأهل القرى قرى خيبر [[خيبر: الموضع المذكور في غزاة النبي -ﷺ- بينها وبين المدينة المنورة ثمانية برد على طريق الشام، ويطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. انظر: "معجم البلدان" 2/ 409.]]، وعرينة، وينبع، وهذه كلها كانت قرى أفاء الله أموال أهلها على رسول الله، ثم بين لمن هي فقال ﴿لِلَّهِ﴾. أي: أن الحكم فيها لله، له أن يأمركم فيه بما أحب ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بتمليك الله إياه. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يعني بني هاشم، وبني المطلب لأنهم قد منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفي. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ قال العلماء من أصحابنا في بيان حكم هذه الآية: كان الفيء في زمان رسول الله مقسومًا على خمسة أسهم، أربعة منها لرسول الله -ﷺ- خاصة، وكان الخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم: سهم منها لرسول الله أيضًا [[(أيضًا) ساقطة من (ك).]]، والأسهم الأربعة لذي القربى واليتامى، كما ذكر الله في هذه الآية، وأما بعد وفاته فللشافعي فيما كان من الفيء لرسول الله -ﷺ- قولان: أحدهما: أنه للمجاهدين المرصدين [[في (ك): (المترصدين).]] للقتال في الثغور، لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور. القول الثاني: أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر يبدأ بالأهم فالأهم، هذا في الأربعة الأخماس التي كانت لرسول الله -ﷺ-، وأما السهم الذي كان له في خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف [[انظر: "المغني" 9/ 299 وقد احتج الجمهور بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الصحيح: " ... فكانت هذه خالصة لرسول الله -ﷺ- ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم ... " الحديث. ولم يوجبوا الخمس في الفيء، بل قالوا: مصرف الفيء كله إلى رسول الله -ﷺ-. وقال ابن المنذر: "لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء، وقد تأول -رحمه الله- قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة. انظر: "مسلم بشرح النووي" 12/ 69، و"فتح الباري" 6/ 208.]]. قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي ما أفاء الله لهؤلاء الذين ذكرهم كي لا يكون دولة، وهي اسم الشيء يتداوله القوم بينهم يكون لذا مرة ولذا مرة. والدَّوْلة بالفتح: انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، والدُّولى بالضم: اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، وسشعمل في الحالة السارة التي تنوب الإنسان فيقول: هذه دولة فلان، أي: قد أديل بالدولة، فالدَّولةَ اسم لما يتداول من المال، فالدُّولة: اسم لما ينتقل من الحال، هذا كلام المبرد، وهو معنى جميع أهل اللغة [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 706، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 146، و"تهذيب اللغة" 14/ 175 (دوبل)، و"اللسان" 1/ 1034 (دول)، و"التفسير الكبير" 29/ 285.]]. قال الفراء: المعنى: كيلا يكون الفيء دولة بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية [["معاني القرآن" للفراء 3/ 145.]]، قال مقاتل: يعني يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم [["تفسير مقاتل" 148 أ.]]، وقال الفراء: ونزل في الرؤساء ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 145.]]. قال ابن عباس: يقول ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عنه فانتهوا [[انظر: "تنوير المقياس" 6/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 93 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 318، ولم ينسبوه لقائل.]]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمر الفيء ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على ما نهاكم عنه الرسول، وهذا نازل في أمر الفيء فهو عام في كل ما أمر به، ونهى عنه رسول الله -ﷺ-. وكثر من الصحابة احتجوا على أن أوامر النبي -ﷺ- وزواجره كلها من القرآن [[في (ك): (القرآن كلها).]]، أن الله تعالى قال: ما أعطاكم وأباح لكم فخذوه، وما منعكم عنه فاتركوه، وكل ما يفعله بأمر رسول الله -ﷺ- فإنما يفعله بأمر الله، وهو أمرنا بذلك أمرًا مطلقًا، وكذلك فيما ينهى عنه بأمره [[وممن قال بذلك ابن مسعود، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، والشافعي. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وما آتاكم الرسول فخذوه، 6/ 184، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 396، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 336، و"روح المعاني" 28/ 50. وقال الشوكاني: والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله -ﷺ- من أمر أو نهي أو ترك أو فعل، وإن كان السبب خاصًا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصلنا إليه ... وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها. "فتح القدير" 5/ 278.]]. قال مقاتل: ثم ذكر أن الفيء للفقراء المهاجرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.]].