الباحث القرآني

قال مقاتل: ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعله للمهاجرين دونهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وهذا قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.]]. وعطف الإيمان على الدار، ولا يحسن إعمال الفعل الذي نصب الدار في الإيمان، ولكن المعنى، وآثروا الإيمان، هو من باب علفتها تبنًا وماء بارداً، وأكلت الخبز واللبن، وقد مر في مواضع. وقال أبو علي الفارسي: ومعنى الآية: تبوأوا الدار واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيكون كقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71] على معنى: وأعدوا شركاءكم، ويجوز أن يكون تبوأوا الإيمان على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم، وعلى ذلك قول الشاعر: وبُؤّئت في صميم معشرها ... فتم في قومها مبوؤها [[البيت لابن هرمة. انظر: "اللسان" 1/ 284 (بوأ) ولم ينسبه لقائل، و"مجاز القرآن" 1/ 218، و"شواهد المعنى" ص 279.]] قال: كل هذه الوجوه ممكن [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال المفسرون: حسدًا وحزازة وغيظًا مما أوتي المهاجرون دونهم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 28، و"الكشف والبيان" 13/ 94 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 319، و"زاد المسير" 8/ 212.]]، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته وشق عليه وجوده فهو حاجة. قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقال: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وآثره بكذا إذا خصه به وفضله من بين الناس [[انظر: "تهذيب اللغة"، 15/ 122 (أثر)، و"اللسان" 1/ 20 (أثر).]]، ومفعول الإيثار محذوف والتقدير: ويؤثرونهم على أنفسهم، قال المفسرون: أي بأموالهم ومنازلهم، وذلك أنهم أشركوا المهاجرين في رباعهم وأموالهم وواسوهم بها [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 94 أ، و"معالم التزيل" 4/ 319.]]. وقال الكلبي، عن ابن عباس: هو أن النبي -ﷺ- قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم". فقالوا: لا. بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في القسم، فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[ذكره الثعلبي بغير سند. انظر: "الكشف والبيان" 13/ 95 ب، و"معالم التزيل" 4/ 420، و"التفسير الكبير" 29/ 287، ورواه الواقدي عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بن زيج، عن أم العلاء قالت: وذكر نحوه. "تخريجات الكشاف" ص 16، 167.]]، فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى من المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة، وهي الفقر، وذو الخصاصة ذو الخلة، وأصلها من الخصاص، وهي الفرج، وكل خلل أو خرق يكون في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاصة، الواحد خصاصة، ومنه قول الراجز: ينظرن من خصاص ... بأعين شواصى [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 551 (خصص)، و"اللسان" 841/ 1 (خصصه). والرجز لحضرمي بن عامر، وكان له تسعة إخوة فماتوا وورثهم. انظر: "اللسان" 2/ 313 (مشصا)، و"تهذيب اللغة" 8/ 367 (قرص) ولم ينسبه لقائل.]] وذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عه حتى شبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار [[انظر: "جامع البيان" 28/ 29، و"الكشف والبيان" 13/ 94 أ، ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 483.]]. والصحيح أن الآية نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء ثم يجوز أن يتضمن قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ما رووه من أنواع الإيثار [[وهكذا فسر مقاتل هذه الآية بإيثار الأنصار للمهاجرين بالفيء، ولعل الصواب في هذا أن الآية نزلت في رجل من الأنصار وامرأته حين ضيفا ضيف رسول الله -ﷺ-، ولا يمنع من تضمن الآية لإيثارهم المهاجرين بالفيء وغيره، والله أعلم. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، و"فتح الباري" 8/ 631.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ذكرنا تفسير الشح في قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [[عند تفسيره الآية (128) من سورة النبأ. والشح: بخل مع الحرص، وذلك فيما كان عادة. "اللسان" 2/ 276 (شح)، و"مفردات الراغب" ص 256 (شح).]] قال سعيد بن جبير: هو أخذ الحرام ومنع الزكاة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 320، و"الدر المنثور" 6/ 196، ونسب تخريجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وقال مقاتل: حرص نفسه [["تفسير مقاتل": 148 أ.]]، وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه فقد وُقي شح نفسه [[انظر: "جامع البيان" 28/ 30، و"الكشف والبيان" 13/ 96 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 42.]]. قال المفسرون: يعني أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم عن الفيء [[وهو المذكور في سبب النزول، عن ابن عباس، وتقدم.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.