الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة غرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم، جاءته نساء أهل مكة يبايعنه فأنزل الله هذه الآية [[يظهر لي -والله أعلم- أن في العبارة خلطًا واستقامتها: وهو قوله ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ فغرم من الغنيمة للذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار مهور نسائهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قال الكلبي: لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة جاءته نساء)، وانظر: "زاد المسير" 8/ 244، ونسبه للمفسرين.]]. وشرط في مبايعة النساء أن يأخذ عليهن هذا الشرط الذي [[في (ك): (التي).]] ذكره في هذه الآية وهو قوله: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وقال المفسرون: يعني بالأولاد الذي كان يفعله الجاهلية، ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد [[انظر: "زاد المسير" 8/ 246، و"روح المعاني" 28/ 80.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه [[أخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي هاشم، وابن مردويه. انظر: "جامع البيان" 28/ 51، و"الدر" 6/ 210، و"تنوير المقباس" 6/ 58، و"تفسير مقاتل" 153 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 308، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 354.]]، وقال الكلبي: هو أن تجيء بالصبي من غير زوجها فتقول لزوجها: هو منك وأنا ولدته، وهذا قول جماعة المفسرين [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 58، و"معالم التنزيل" 4/ 335، و"زاد المسير" 8/ 246، ولم ينسب لقائل.]]. قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدى منك. فذلك البهتان المفترى [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 152.]]. وقال أبو إسحاق: أي لا يأتين بولد ينسبنه إلى الزوج، فإن ذلك بهتان وفرية [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 160.]]. ومعنى ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي مفترينه. أي أنفسهن بأن يقلن: نحن ولدنا، وإنما قيل ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ لأن الولد إذا وضعته الأم سَقَطَ بين يديها ورِجليها، وليس المعنى على هذا [[(هذا) ساقطة من (ك).]] نهيهن من أن يأتين بولد من الزنا فينسبنه إلى الأزواج؛ لأن النهي عن الزنا [[(ك): (لأن الشرط بنهي الزنا).]] قد تقدم، ولأنها إذا كانت ذات زوج وزنت كان الولد لاحقًا بالزوج بحق الفراش. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال الكلبي: في معروف مما تأمرهن به وتنهاهن عنه كالنوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وأن تخلو بغير ذي محرم، وأن تسافر سفرًا مع [[(مع) ساقطة من (ك).]] غير ذي محرم. ونحو هذا قال المقاتلان [[انظر: "تفسير مقاتل" 153 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 111 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 335، و"التفسير الكبير" 29/ 308.= وأخرج ابن جرير 28/ 25، وعبد الرزاق 2/ 289 عن قتادة بسند صحيح قوله: (هو النوح أخذ عليهن لا ينحن ولا يخلون بحديث الرجال إلا مع ذي محرم. قال فقال عبد الرحمن بن عوف: إنا نغيب ويكون لنا أضياف، قال: ليس أولئك عنيت. "فتح الباري" 8/ 640. وإسناده إلى قتادة صحيح، ولكنه مرسل حيث سقط منه اسم الصحابي الذي رواه انظر: "تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 876.]]. وهو معنى قول ابن زيد: لا ينشرن شعرًا ولا يخمشن وجهًا، ولا يدعون ويلاً. وكثير من المفسرين خصوا هذا المعروف بالنهي عن النوح. وهو قول سالم بن أبي الجعد [[(أبي) ساقطة من (ك).]]، وعكرمة، وجماعة. قالوا: لا تنحن نوح الجاهلية [[انظر: "جامع البيان" 28/ 51، و"الدر" 6/ 210.]]. قالت أم عطية: كان فيما اشترط علينا في البيعة أن لا ننوح [[وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك 6/ 187، ولفظه: قالت: بايعنا رسول الله -ﷺ- فقرأ: (أن لا يشركن بالله شيئًا) ونهانا عن النياحة.]]. وقالت أم سلمة [[أم سلمة هي هند بنت أمية بن المغيرة المخزومية، آخر أمهات المؤمنين وفاة، توفيت سنة إحدى وستين، وقيل تسع وخمسين، وقبرت بالبقيع، وهي ابنة أربع وثمانين سنة -رضي الله عنها- انظر: "الإصابة" 13/ 161، "صفة الصفوة" 2/ 40، "العبر" 1/ 48، و"البداية والنهاية" 8/ 214.]]: قالت امرأة: يا رسول الله: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: لا تنحن [[أخرجه أحمد في "المسند"، وابن ماجه في سننه، والترمذي في سننه.]]. وروى الربيع عن أبي العالية في قوله: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: في كل أمر وافق طاعة الله فلم يرضي الله لنبيه أن يطاع في معصية الله [[أخرجه ابن أبي شيبة انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، و"الدر" 6/ 210.]]. وقال عطاء عن ابن عباس ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ في كل بر وتقوى. ويريد فرائض الله [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 335، و"التفسير الكبير" 29/ 308، ذكرا نحوه دون نسبة لقائل.]]. وقال أبو إسحاق: والجملة أن المعنى لا يعصينك في جميع ما تأمرهن [[في (ك): (تأمر).]] به بالمعروف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 160، وأخرجه الثعلبي عن الكلبي من غير سند. "الكشف والبيان" 111 ب.]]. قوله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ جواب لـ ﴿إِذَا﴾ في أول الآية. أي إذا بايعنك على هذا الشرط فبايعهن. واختلفوا في كيفية بيعة النبي -ﷺ- مع النساء. فروى سالم بن أبي الجعد، عن أبي فليح قال: كان رسول الله -ﷺ- يبايع النساء على الصفا، وجلس معه عمر فجعل يشترط على النساء للبيعة، وعمر يصافحهن. وروى الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- يبايع النساء بالكلام بهذه الآية وما مست [[في (ك): (مس).]] يد رسول الله -ﷺ- النساء للبيعة. فقلت: ألا تحسر لنا عن يديك؟ قال: إني لست أصافح النساء ولكن أخذ عليهم [[مما يظهر من سياق المؤلف رحمه الله خلطه بين حديثين أحدهما حديث عائشة == رضي الله عنها- وفيه (ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله (قد بايعتك على ذلك) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات 6/ 187، وفي كتاب الطلاق باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي 7/ 64، وروى الحديث الآخر هو حديث أميمة بنت رقيقة، وفيه: فقلن: يا رسول الله. ابسط يدك نصافحك؛ قال: "أني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكن .. " الحديث. رواه أحمد في المسند، وقال ابن كثير: إسناده صحيح، ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، كلهم عن محمد بن المنكدر، عن أميمة.]]. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي -ﷺ- كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده ثم غمسن أيديهن فيه) [[قال ابن حجر: (أخرجه ابن سعد عن الواقدي، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، نحوه. وله شاهد في الطبراني، عن عروة بن مسعود، وآخر في تاريخ أصبهان لأبي نعيم في حرف الحاء من حديث أسماء بنت يريد) "تخريجات الكشاف" ص 169.]].