الباحث القرآني

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
ثم ضرب لهم إبراهيم -صلى الله عليه- مثلاً حين تبرأ من قومه ونابذهم وباغضهم وهو قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والأسوة: ما يؤتسى [[في (ك): (يأتس).]] به مثل القدوة، والقدوة لما يقتدى به. ويقال: ائتسِ به، أي: اقتد به، وكن مثله. ويقال هو أسوتك، أي: أنت مثله وهو مثلك، وتجمع الأسوة والإسوة أسي. فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به. ومن يقتدى به أسوة أيضًا. يقال: فلان أسوة في هذا الأمر. وقدوة: أي يؤتسى [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 139 (أسى)، و"اللسان" 1/ 63 (أسا)، و"المفردات" ص 18 (أسا).]] ويقتدى به ولك به أسوة. أي: ائتساء، وفي فلان أسوة، أي: يتأسى به [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149.]]. قال المفسرون: أعلم الله عز وجل أن إبراهيم وأصحابه تبرأوا من قومهم وعادوهم وقالوا لهم ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ وأمر أصحاب رسول الله -ﷺ- أن يتأسوا بهم وبقولهم. قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما برئ إبراهيم -ﷺ- [[أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه من طريق سعيد بن جبير. "الدر" 6/ 205.]]. قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قال ابن عباس: كان لهم أسوة حسنة في صنع إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه وهو مشرك [[أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم، وصححه عن ابن عباس. انظر: "جامع البيان" 28/ 41، و"الدر" 6/ 205، و"تفسير مجاهد" 2/ 667.]]. وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين. وقال قتادة: يقول ائتسوا بأمره [[في (ك): (يإبراهيم).]] كله إلا في استغفاره لأبيه فلا تأتسوا به في ذلك، لأنه كان عن موعدة منه، فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ منه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 287، و"جامع البيان" 28/ 41، و"تفسير غريب القرآن" ص 461، و"البحر المحيط" 1/ 254، ونسبه لقتادة، ومجاهد، وعطاء الخراساني.]]. وقال مقاتل: يقول الله: تبرأوا من كفار قومكم، فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم المشركين، وليس لكم أسوة في إبراهيم في الاستغفار لأبيه فتقتدوا به في الاستغفار للمشركين [[في (ك): (استغفار المشركين).]] [[انظر: "تفسير مقاتل" 157 ب.]]، هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين. وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه لأستغفرن له [[انظر: "تأويل المشكل" ص 277.]]، قال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره، بل المعنى: قد كان لكم أسوة حسنة في كل شيء فعله إبراهيم إلا في قوله لأبيه ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فإن هذا مما لا يجب أن تتأسوا به فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 300.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا من قول إبراهيم لأبيه، يقول: ما أغني عنك شيئًا وما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به وعصيته، فوعده [[في (ك): (بوعده).]] الاستغفار رجاء إسلامه، وأن ينقله الله بالاستغفار من الكفر إلى الإيمان ، وذكر أنه لا يغني عنه شيئًا سوى أن يستغفر له على رجاء أن يسلم. وهذه القصة مشروحة في آخر سورة براءة [[عند تفسيره الآية (114) من سورة براءة.]].