الباحث القرآني

لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ اختلفوا في المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله -ﷺ- على ترك القتال والمظاهرة في العداوة وهم خزاعة. وكانوا عاقدوا النبي -ﷺ- أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر النبي -ﷺ- بالبر والوفاء لهم إلى مدة أجلهم. وهذا قول المقاتلين [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 303، ولم ينسبه لقائل، وانظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، الإيضاح لناسخ القرآن لمكي: 432، ونسبه للحسن، و"الكشف والبيان" 13/ 108 أ، ونسبه لابن عباس، وكذا البغوي في تفسيره 4/ 331، و"التفسير الكبير" 29/ 304، ونسبه لابن عباس، والمقاتلين، والكلبي.]]. وروى مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير [[هو مصعب بن ثابت عبد الله بن الزبير. روى عن أبيه، وعطاء، وطائفة، ضعفه ابن معين. وقال ابن حجر: كان لين الحديث عابدًا، توفي سنة (157 هـ). انظر: == "تهذيب التهذيب" 10/ 158، "الجرح والتعديل" 8/ 304، و"شذرات الذهب" 1/ 243، "سير أعلام النبلاء" 7/ 29، "تقريب التهذيب" 2/ 250.]] عن أبيه أنه قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى [[هي قتيلة بنت عبد العزى، كانت امرأة لأبي بكر -رضي الله عنه- فطلقها في الجاهلية. انظر: "البحر المحيط" 8/ 255.]] [[في (ك): (قدمت قتيلة بنت أسماء).]] على ابنتها أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- على ابنتها أسماء بهدايا وهي كافرة فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخلها منزلها، وأرسلت إلى عائشة لتسأل لها رسول الله -ﷺ- أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 485، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وفي "مجمع الزوائد" 7/ 123، من رواية أحمد، والطبراني، والبزار. وقال: وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي "تخريجات الكشاف" ص 168، قال ابن حجر: (وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة بغير هذا السياق). وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 488، و"الدر" 6/ 205.]]، وعلى هذا القول المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ النساء والصبيان. وقال ابن عباس: يريد قومًا من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرهًا، وهذا قول مرة، وعطية [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 108 أ، و"زاد المسير" 8/ 237، و"روح المعاني" 28/ 75.]]. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أن في موضع خفض بدل من الذين، المعنى لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم في الدين. وهذا يدل على أن المراد لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 157]]. قال أهل التأويل: وهذه الآية تدل على أن [[في (ك): (على أن) والصواب حذفها.]] جواز البر بين المسلمين والمشركين، وإن كانت المودة منقطعة فإن الله تعالى أباح ذلك في هذه الآية [[والآية محكمة في قول مجاهد، والحسن، وهو المعتمد عند ابن جرير، وغيره. انظر: "جامع البيان" 28/ 43، "الإيضاح لناسخ القرآن لمكي" ص 431، نواسخ القرآن لابن الجوزي: 239، وقال النحاس: (وليس لقول من قال إنها منسوخة معنى، لأن البر في اللغة إنما هو لين الكلام والمواساة وليس هذا محظورًا أن ينقله أحد بكافر ...). "إعراب القرآن" 3/ 416.]]. قوله تعالى: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بالصلة وغير ذلك [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 54، و"التفسير الكبير" 29/ 304.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ يريد أهل البر والتواصل. وقال المقاتلان: أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 204.]]. قال أبو إسحاق: أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 158.]]. وقال المبرد: يقال: أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل. وقال مجاهد: هذه الآية نزلت في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 668، و"جامع البيان" 28/ 43، و"الدر" 6/ 305.]] وهذا قول الربيع في الآية.