الباحث القرآني

یَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَیُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَیِّبَةࣰ فِی جَنَّـٰتِ عَدۡنࣲۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: هذا جواب ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ لأن معناه معنى الأمر، المعنى: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر [[(في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) ساقطة من (ك).]] لكم، والدليل على ذلك أن في قراءة ابن مسعود. ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاح 5/ 166.]]. وقال الفراء: جزم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بهل، وتأويل ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ أمر كقولك: هل أنت ساكت، معناه: اسكت [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 154.]]. قال أبو إسحاق: وهذا غلط بين، ليس إذا دلهم النبي -ﷺ- على ما ينفعهم غفر الله لهم، إنما يغفر الله لهم إذا آمنوا وجاهدوا، وهو جواب ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 166، وقد وجُه قول الفراء بأن يحمل على المعنى. قال المهروي: وهو أن يكون (تؤمنون) و (تجاهدون) عطف بيان على قوله (هل أدلكم) كأن التجارة لم يدر ما هي فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى، فكأنه قال: هل تؤمنون وتجاهدون، قال: فإن لم تقدر هذا التقدير لم يصح. لأنه يصير إن دللتم يغفر لكم، والغفران إنما يجب بالقبول والإيمان لا بالدلالة. انظر: "البحر المحيط" 8/ 263، وبنحوه قال الزمخشري و"الكشاف" 4/ 94، قال الألوسي: والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو عن بعد. "روح المعاني" 28/ 89.]] على ما ذكرنا في سورة براءة. وإدغام الراء في اللام في ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وغيره غير جائز عند النحويين لقوة الراء [[قرأ أبو عمرو (يغفر لكم) بإدغام الراء في اللام. "النشر" 2/ 13،12.]]، والأضعف يدغم في الأقوى لا الأقوى في الأضعف، والدليل على قراءة الراء أنه حرف متكرر، ولذلك غلب المطبق والمستعلي، وهو أنه لا يقال ما في أوله الصاد والضاد والطاء والظاء، نحو صالح، وضابط، وطالب، وظالم، ويُقال نحو ضارب وصارم وطارد مكان الراء. وجاز ذلك لأن الكسر كأنه تكرر في الكلمة، وكذلك لا يمال نحو خالد. ويُقال نحو خارج وحارب لما ذكرنا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 167، ومما قال عن أبي عمرو، وهو إمام == عظيم، ولا أحسبه قرأها إلا وقد سمعها من العرب. قلت: بل إمامته -رحمه الله- في العلم والقراءة تستلزم أنه لم يقرأ بهذه القراءة إلا وقد سمعها ممن نقلها عن النبي -ﷺ- بسند صحيح، ولا عبرة بقول المخالف إذا ثبتت عن المصطفى -ﷺ- مهما بلغ علمه وجلالة قدره، والله أعلم.]].