الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: واذكر لقومك هذه القصة، قوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان إيذاؤهم له أنهم رموه بالأدرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 153 ب، و"جامع البيان" 22/ 36.]] وقد ذكرنا ذلك في آخر سورة الأحزاب [[عند تفسيره الآية (64) من سورة الأحزاب. والأدْرَة: نفخة في الخصية وقيل: هو الذي يصيبه فتق في إحدى الخصيتين. اللسان: (أدر). وقد رمى موسى -عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام- بالأدرة، وبقتل هارون فأرتهموه الملائكة ميتًا، وبقذفه بالبغي أنه فجر بها، وبأنه ساحر مجنون. واختار ابن جرير 22/ 37، العموم. وقال ابن كثير: يحتمل أن يكون الكل مرادًا، وأن يكون معه غيره والله أعلم)، تفسير القرآن العظيم 3/ 521، وقال ابن حجر: بعد ذكره للروايات في رميه بالأدرة، لكن لا مانع أن يكون للشيء سببًا فأكثر. "فتح الباري" 8/ 535.]]. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ إنكارًا عليهم إيذاؤه بعد ما علموا أنه رسول الله، ورسول الله يحترم ويعظم، ولا يؤذى. قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ قال ابن عباس: مالوا إلى غير الحق [["تنوير المقباس" 6/ 61.]]. وقال مقاتل: عدلوا عن الحق، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الحق [[انظر: "تفسير مقاتل" 153 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 312.]]. والمعنى أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم وأظلهم وصرفهم عن الدين جزاء لما ارتكبوا، ويدل عليه قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال أبو إسحاق: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 164.]]، وفي هذا تنبيه على عظم إيذاء الرسول حتى أنه يؤدي إلى الكفر ويزيغ القلب عن الهدى. قوله تعالى: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ هاتان جملتان في موقع جر، لأنهما صفتان للنكرة التي هي قوله: ﴿بِرَسُولٍ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ قراءتان: تحريك الياء بالفتح على الأصل، وهو الاختيار في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء الساكنين [[وهو الاختيار عند الخليل، وسيبويه، وأبي عبيد، قال النحاس: والقول هذا عند أهل العربية أن هذه ياء النفس فمن العرب من يفتحها ومنهم من يسكنها. "إعراب القرآن" 3/ 422.]]، فإن كان موضع يظهر فيه التحريك والإسكان حسنًا كقوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [[من الآية (28) من سورة نوح.]] فمن فتح فعلى الأصل، ومن أسكن فجائز، ومن أسكن في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو جعفر، ويعقوب (من بَعْدِيَ اسْمُهُ أَحْمَدُ) بفتح الياء من (بعدي). وقرأ عاصم في رواية حفص، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (من بعدِيْ اسمُهُ أحمدُ) بتسكين الياء. انظر: "النشر" 2/ 387، و"الإتحاف" ص 415.]]: الياء من ﴿بَعْدِي﴾ والسين من ﴿اسْمُهُ﴾ وهمزة الوصل تسقط في الإدراج، وهذا قول المبرد، وأبي علي [[في (ك): (تقسط). انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 288.]]. قال المبرد: لا معنى لاختيار أبي عبيد الفتح، إذا كان بعد الياء ألف وصل مفتوحًا نحو ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83] و ﴿أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ [الملك: 28]، وترك الفتح إذا كان ألف الوصل مكسورًا نحو ﴿بَعْدِي اسْمُهُ﴾ والأصل والاختيار ما ذكرنا، وهذا لا معنى له. قال أبو عبيد: إنك إذا ابتدأت بقولك: (الله)، (الضر). كان بالفتح وإذا ابتدأت بقولك اسمه كان بالكسر، فلهذا آثرنا الإرسال هاهنا. وهذا لا يوجب ما ذكر من الاختيار. قوله تعالى: ﴿أَحْمَدُ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يجعله مبالغة من الفاعل، فيكون معناه: إنه أكثر حمدًا لله من غيره. وثانيهما: أنه يحمد بما فيه [[(غيره. وثانيهما أنه يحمد بما فيه) ساقطة من (ك).]] من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمده غيره [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 115، و"التفسير الكبير" 29/ 313.]]. وعلى هذا دل كلام الكلبي فإنه قال: أحمد الذي لا يذم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 62، و"الكشف والبيان" 13/ 115 ب.]]، وهو رسول الله -ﷺ- خاتم النبيين، وأحمد معروف في أسماء نبينا صلوات الله عليه [[أخرج البخاري في كتاب: التفسير، سورة الصف 6/ 188، ومسلم في الفضائل باب في أسمائه -ﷺ-، وغيرها عن جبر بن مطعم. سمى لنا رسول الله -ﷺ- نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بن الكفر .. " الحديث.]]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قال ابن عباس: يظهر دينه [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 62.]]. والأصل التنوين، لأنه لما لم يقع، ومن أضاف نوى التنوين والانفصال أيضًا [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص (متمُ) بغير تنوين (نورِه) بالخفض. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر، وأبو جعفر، ويعقوب (مُتِمٌ) بالتنوين (نورَه) بالنصب. انظر: "حجة القراءات" ص 707، و"النشر" 2/ 387، و"الإتحاف" ص 415.]] كما ذكرنا في قوله: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [[من الآية (24) من سورة الأحقاف، وانظر: "الحجة" للقراء 6/ 289.]] و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [[قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ من الآية 95 من سورة المائدة.]]، و ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: 38] وهذه الآية والتي بعدها مفسرات في سورة براءة [[عند تفسيره لآية (32 - 33) من سورة براءة.]]