الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: إذا صليتم الفريضة [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 74، بلفظ: (إذا فرغ الإمام من صلاة الجمعة).]]. وقال مقاتل: فرغتم من الصلاة يوم الجمعة فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحته للانتشار بعد الأمر بالاجتماع للصلاة بالسعي إليها [[انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ.]]. قال ابن عباس: فإن شئت فأخرج وان شئت فصل العصر، وإن شئت فاقعد [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 345، و"التفسير الكبير" 30/ 9.]] يعني إن هذا ليس بأمر حتم، كذلك قوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ﴾ إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. قال مقاتل: أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة فمن شاء خرج إلى تجارته ومن شاء لم يفعل [[انظر: "تفسير مقاتل" 155/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 9.]]. وقال مجاهد: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل [[أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 157 عن مجاهد وعطاء. وانظر: "الدر المنثور" 6/ 22.]]. وقال الضحاك: هو إذن من الله إذا فرع إن شاء خرج وإن شاء قعد في المسجد [[انظر: "جامع البيان" 28/ 66، و"الدر" 6/ 22.]]. والأحسن في الابتغاء من فضل الله أنه طلب الرزق وذكر أوجه من طلب الولد، وطلب العلم، وعيادة المريض وحضور الجنازة، والظاهر هو الأول، لأن إباحة ما منع هو البيع [[قال النحاس: وظاهر الآية يدل على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزق في الدنيا أو ثواب في الآخرة. "إعراب القرآن" 3/ 430.]]. وروى أن عراك بن مالك [[هو عِرَاكُ بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل. مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة. انظر: "العبر" 1/ 92، و"التقريب" 2/ 17.]] كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد وقال: "اللهم إني [[(إني) ساقطة من (ك).]] أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين" [[أخرج ابن أبي حاتم عنه، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 367.]]. وأجمع المفسرون على أن الأمر بالانتشار والابتغاء أمر إباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وليس على كل من حل من إحرامه أن يصطاد، قال أبو إسحاق: هذا مثل قولك في الكلام: إذا حضرتني فلا تنطق [[في (ك): (تنطلق).]]، وإذا غبت عني فتكلم بما شئت، إنما معناه الإباحة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 172.]]. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال مقاتل: باللسان [[انظر: "تفسير مقاتل" 155 أ، و"التفسير الكبير" 3/ 9.]]، وقال سعيد: واذكروا الله كثيرًا بالطاعة [[انظر: "التفسير الكبير" 3/ 9.]]. وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين كثيرًا حتى يذكره قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 367.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية. قال مقاتل: إن دحية الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن يسلم وكان يحمل معه من أنواع التجارة، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق، ووافق قدومه يوم الجمعة، والنبي -ﷺ- قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس وتركوا النبي -ﷺ- ولم يبق إلا اثنا عشر رجلاً. فقال النبي -ﷺ-: "لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة". وأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، وفيه: (اثنا عشر رجلاً وامرأة ..).]]، وهذا قول جماعة في سبب نزول هذه الآية. قال جابر بن عبد الله: وكان في الاثنى عشر رجلاً الذين بقوا معه أبو بكر وعمر [[أخرجه مسلم في رواية هشيم. "فتح الباري" 2/ 424، والإمام أحمد في "المسند"، وروى العقيلي: أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وأناسًا من الأنصار، وعنده بسند متصل أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة، وبلال، وابن مسعود. "فتح الباري" 2/ 424.]]. وقال الحسن: أصاب أهل المدينة جوع، وغلا سعرهم، فقدمت عير ورسول الله -ﷺ- يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها وخرجوا إليها، والنبي -ﷺ- قائم كما هو فقال: "لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب عليهم الوادي نارًا" [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 494، ونسبه للمفسرين، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 292، عن الحسن، و"جامع البيان" 28/ 67، عن الحسن. وقوله: (لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب علبهم الوادي نارًا) قال ابن حجر -رحمه الله- (فائدة: ذكر الحميد في الجمع أن أبا مسعود الدمشقي ذكر في آخر هذا الحديث أنه -ﷺ- قال: (...)، ولم أر هذه الزيادة في الأطراف لابن مسعود، ولا هي في شيء من طرق حديث جابر المذكورة، وإنما وقعت في مرسلي الحسن وقتادة) "فتح البارى" 2/ 424 - 425.]]. وقال قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات لعير تقدم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 67، و"الكشف والبيان" 13/ 127 أ.]]. قوله تعالى: ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ المفسرون على أنه الطبل الذي كان يضرب لقدوم الغير. وقال جابر: كان النبي -ﷺ- يخطب يوم الجمعة قائمًا على المنبر، وكانوا إذا نكحوا الجواري يضربون المزامير والكبر [[الكّبَر: طبل له وجه واحد. "تهذيب اللغة" 10/ 213، و"اللسان" 3/ 212 (كبر).]]، فتركوا رسول الله -ﷺ- قائمًا على المنبر [[وقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً، ووصله أبو عوانه في "صحيحه"، والطبري. وانظر: "جامع البيان" 28/ 68، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 43 .. قلت: ما صح عن جابر رضي الله عنه في سبب النزول وما ذكره المفسرون في المراد باللهو لا تعارض بينهما إذ تفسير جابر للمراد باللهو بأنه ضرب الطبل في النكاح لم يصرح فيه على ما رواه ابن جرير وغيره بأن ذلك كان في يوم الجمعة فلعله كان أثناء خطبته -ﷺ- في غير الجمعة فحملت الآية على العموم، وربما تكررت الحادثة كما ذكر قتادة، والله أعلم. "فتح الباري" 2/ 424، وقال: ولا بعد في أن تنزل في الأمرين معًا وأكثر 2/ 424.]]. قوله تعالى: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ أي تفرقوا عنك، كقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159] قال المبرد: انفضوا إليها، الضمير للتجارة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 11.]]. وقال الزجاج، والمبرد: ولو كان انفضوا إليه وإليهما جاز كما جاز انفضوا إليها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 172.]]، لأن الشيئين إذا عطف أحدهما على الآخر ومعناهما واحد فاردد الخبر إليهما أو إلى أحدهما، أيهما شئت فإن الآخر داخل معه [[انظر: "الكشاف" 4/ 99.]]. وهذا من كلام العرب المستقيم أن يذكروا الشيئين اللذين يرجعان إلى معنى مما يطلب فيهما فيردوا الخبر إلى أحدهما استغناء واختصارًا، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: 45]، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: 34]. ونحو هذا قال الفراء، وزاد فقال: وأجود من [[(من) ساقطة من (ك).]] ذلك أن تجعل الراجع من الذكر للآخر من الاسمين وإنما اختير هاهنا الرجوع إلى التجارة لأنها كانت أهم إليهم، وهم بها أسر منهم بضرب الطبل، لأن الطبل إنما دل عليها، فالمعنى كله لها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 157.]]. قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ أجمعوا على أن هذا القيام كان في الخطبة، وهذا دليل على أن من [[لعل الصواب: (وهذا دليل على من) بدون (أن).]] أجاز القعود في الخطبة للجمعة. قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله -ﷺ- خطب إلا وهو قائم فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه [[أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وما فيهما من الجلسة، وأبو داود في باب: الخطبة قائمًا، من كتاب: الصلاة، وأحمد في "المسند" 5/ 87، والنسائي في باب: السكوت في القعدة بين الخطبتين، كتاب: الجمعة.]]، وسئل عبد الله: أكان النبي -ﷺ- يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ فقرأ (وتركوك قائمًا) [[أخرجه ابن مردويه، وابن أبي شيبة، انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، وابن ماجه، والطبراني. "الدر" 6/ 221، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 13/ 127 ب.]]، ولذلك سئل ابن سيرين، وعلقمة، فقرأ هذه الآية [[انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة، عن ابن سيرين. "الدر" 6/ 222، وذكره البغوي فقال: (وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر ..)، و"معالم التنزيل" 4/ 346.]]. وروي أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن [[هو عبد الرحمن بن أبي الحكم.]] يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا، وقال الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ وتلا الآية [[أخرجه مسلم في كتاب الجمعة 2/ 590، وابن أبي شيبة 2/ 112.]]. وقال الشعبي: أول من خطب قاعدًا معاوية [[رواه ابن أبي شيبة 2/ 112 من طريق الشعبي، أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه. وأخرج عن طاووس .. وأول من جلس على المنبر معاوية. وروى سعيد بن منصور عن الحسن: .. وأول من خطب جالسًا معاوية. وانظر: "فتح الباري" 2/ 401، و"الدر" 6/ 222]]. قوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ قال مقاتل: يعني من الطبل والصفق ﴿وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ التي جاء بها دحية [[انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب.]]. قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ المخلوق مرزوق فإذا غضب قطع رزقه، والله عز وجل يسخط ولا يقطع وهو أحكم الحاكمين. (63) تفسير سورة المنافقون