الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ نسق على قوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ المعنى: وبعث في آخرين منهم ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال المفسرون: يعني الأعاجم، وكل من دخل في الإسلام وصدق النبي من العجم. هذا قول ابن عباس، ومجاهد [[أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وغيرهم عن مجاهد. انظر: "جامع البيان" 28/ 62، و"الدر" 6/ 215، وفي "صحيح البخاري" وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- فأنزلت عليه سورة الجمعة == ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ قالوا من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله -ﷺ- يده على سلمان الفارسي ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء". "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ 6/ 188، قال ابن كثير: نفى هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثه -ﷺ- إلى جميع الناس لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُم﴾ بفارسي، ولهذا كتب كتبه إلى فارس، والروم، وغيرهم من الأمم يدعوهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وإلى اتباع ما جاء به. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 363.]]. وقال مقاتل: يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 154 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 4.]]، وجميع الأقوال في هذا معناها أن المراد بالآخرين كل من دخل في الإسلام بعد النبي -ﷺ- إلى يوم القيامة. وقول المفسرين: هم الأعاجم، يعنون بالأعاجم من ليس من العرب، والعرب تسمي من لا يتكلم بلغتهم عجميًا، من أي جنس كان، ومنه قول الشاعر: سَلُّومُ لو أصبحتِ وسط الأعجمِ ... بالروم أو بالترك أو بالديلم [[ورد غير منسوب في اللسان (عجم)، وعجزه: في الروم أو فارس أو في الديلم]] فعبر عن الأعجم بهؤلاء الأجناس فالأميين هم العرب، ﴿وَآخَرِينَ﴾ سواهم من الأمم غير العرب، فالنبي -ﷺ- مبعوث إلى من شاهده وإلى كل من كان بعدهم من العجم والعرب. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي من الأميين، وجعلهم منهم؛ لأنهم إذا أسلموا ودانوا بدينهم صاروا منهم، فالمسلمون كلهم يد واحدة وأمة واحدة وإن اختلفت أجناسهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، وقال أيضًا في صفة المؤمنين ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195] فأما من لم يؤمن بالنبي -ﷺ- ولم يدخل في دينه فإنهم ليسوا ممن عناهم الله بقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ وإن كان -ﷺ- مبعوثا إليهم بالدعوة، لأن الله تعالى قال في الآية الأولى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ومن لم يؤمن فليس ممن زكاه النبي -ﷺ- من الكفر وعلمه القرآن والسنة. وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر في إعراب ﴿وَآخَرِينَ﴾ وهو النصب بالعطف على الضمير في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ على معنى: ويعلم [[في (ك): (ويعلمهم).]] آخرين منهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 170، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 155. و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 417.]]. وهذا كالسعيد [[كذا في (ك)، ولعل صوابها: (وهذا بعيد).]]؛ لأن الذين لم يلحقوا من شاهد النبي -ﷺ- كيف يعلمهم النبي -ﷺ- ولم يدركوه، إلا أن يحمل على أنهم إذا تعلموا ما أتى به فهو علمهم وإن لم يشاهدوه، وكل ما نعلمه من الدين فهو مما علمنا نبينا -ﷺ-. [[ذكر العلماء هذا الوجه للدلالة على جوازه مع تقديمهم لغيره وتعليلهم للجواز بنحو ما ذكر المؤلف. قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب عطفًا على المنصوب في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين، أن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندًا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه). "الكشاف" 4/ 96.]]