الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
فقال قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ قال المفسرون: حملوا العمل بما فيها وكلفوا القيام بها [[انظر: "تفسير مقاتل" 154 ب، و"جامع البيان" 28/ 63، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 364.]]. وقال صاحب النظم: ليس هو من العمل على الظهور، وإنما من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل الحميل. والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها [[انظر: "التفسير الكبير" 3/ 5.]]. قال الأصمعي: الحميل الكفيل، وقال الكسائي: حملت به حمالة: كلفت به [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 92، و"اللسان" 1/ 724 (حمل).]]. قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، لأنه سفر عن المعنى إذا قرئ، ومثله شبر وأشبار [[انظر: "تهذيب اللغة" (سفر)، و"اللسان" (سفر).]]. شبه اليهود إذا لم ينتفعوا بما في التوراة وهي دالة على الإيمان بمحمد -ﷺ- بالحمار يحمل كتب العلم ولا يدري ما فيها. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل. وقال أهل المعاني: وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل به وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن: اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم. ثم تلا هذه الآية [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 5.]]. ﴿لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ﴾ لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما فسرنا فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون [[في (ك): (يعلمون).]] بها بالحمار يحمل كتبًا وليس له من ذلك إلا نقل الحمل من غير انتفاع بمعاني ما حمل، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم. ثم ذم هذا المثل والمراد به ذمهم فقال قوله تعالي: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا كما قال: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: 177] أي: مثل القوم الذين، فيكون المضاف محذوفًا، ويكون موضع ﴿الَّذِينَ﴾ رفعًا، ويجوز أن يكون موضع ﴿الَّذِينَ﴾ جرًا والمقصود بالذم محذوف [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 428، و"الكشاف" 4/ 96، و"البحر المحيط" 8/ 267.]] كما كان محذوفًا من قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44] ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره، وذكر الوجهين أبو علي في كتاب "الإيضاح" [[انظر: "إيضاح الشعر".]]. والمراد بآيات الله هاهنا قال ابن عباس، ومقاتل: بمحمد وما أتى به من القرآن [[انظر: "تفسير ابن عباس" 6/ 96، و"تفسير مقاتل" 154 ب، ولفظه: (يعني القرآن).]]، ويحتمل أن يكون المراد بالآيات التوراة؛ لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد -ﷺ- [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 5.]] وهذا القول أشبه هنا [[(ك): (هاهنا).]]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 5.]]. قال أبو إسحاق: معناه لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالمًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 171.]].